واحة الأدب

مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//

الفن رسالة

الفن رسالة

http://www.husamdeen.jeeran.com//

http://www.husamdeen2.jeeran.com//

husamdeen@hotmail.com

محمد حسام الدين دويدري

 جوّال  095278048

     كم كنت أحسّ بنسائم الصباح تغسل الصدأ عن نفسي المثقلة بالشجون؛ فيما كنت أرقب أولى خيوط الفجر وهي تغسل ماتبقّى من آثار الظلمة؛ لتبدأ الشمس الحانية تسكاب أشعتها الدافئة في زرقة الموج. كانت رحلة ماتعة تلك التي يممت فيها شطر الساحل الرملي هرباً من صخب الحياة اللاهثة. وكم كنت أحرص في تلك الرحلة على الاستيقاظ في الصباح الباكر لأغازل أولى خيوط الضياء مستدعياً إلى مخيّلتي ألوان الصور البهية المتقاطرة إليها تقاطُرَ الموج إلى الشواطئ الرحيبة. ولطالما كانت نفسي تعاقر عذوبة اللحن الحاني المتهادي مع صوت فيروز المخملي الذي كان يحمله الأثير إلى سمعي من أحد الجالسين قربي على الشاطئ، حتى إذا ارتفعت الشمس قليلاً؛ وبدأت حرارة أشعّتها بالتزايد؛ وجدتُ ذلك اللحن يذوي ويتلاشى متراجعاً أمام الأصوات العالية الصاخبة الماجنة التي راحت تُقحِمُ نفسَها بِفظاظة وهي تندفع من المراكب المُتَبَختِرَة جِيْئَةً وذهاباً قبالة الشاطئ قرب المنغمسين في الماء وهي تغري الناظرين إليها بجولة بحرية قصيرة.

     في تلك اللحظات كُنتُ أجد ذلك اللحن الصاخب شديد الوطأة على نفسي؛ رغم أنّ أمثال تلكم الأغاني طالما كانت ومازالت؛ خلال حياتنا اليومية المعتادة؛ تصفع أسماعنا صباحَ مساء بكلماتها المتشظية ومعانيها السافرة الساقطة التي تخلو من أي هدف سامٍ وتطفح بالإشارات الحسية المجترئة على التلاعب بالغرائز وتحفيز الملامح الدنيئة. وهكذا وجدتُ التساؤلاتِ المُرَّةَ تعاود غزوها لبصيرتي التي مانفكت تحاول استكشاف الأسباب والعوامل التي هوت بالأغنية العربية من قممها التي عاصرت جيلاً من عباقرة الغناء والموسيقا أمثال أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وفيروزوسيد مكاوي ومحمد القصبجي ورياض السنباطي...، حيث حرص هؤلاء على السمو باللحن والمعنى واختيار الكلمات الراقية، وعمدوا إلى اختيار القصائد العذبة من نتاج معاصريهم من الشعراء مؤكدين حرصهم الواعي على التمسك بهوية الثقافة العربية الأصيلة واللغة الأم الحاملة لها فراحت ألحانهم تعبر الحدود وتؤكد الوجود لتلهج بها الألسن والحناجر من المحيط إلى الخليج رغم اختلاف اللهجات واضطرام سياسات الانتماءات؛ فكان نتاج هؤلاء العباقرة صدىً سليماً لما كان يجيش في صدور الناس وحاملاً  لتطلعاتهم السامية نحو نهضة كانوا يحلمون بإعادة بنائها ووحدة كان حلمها يلهب مشاعرهم؛ رغم كل النكسات السياسية والعسكرية التي عاصروها.

     لاشكّ في أنّ أولئك الرواد كانوا يؤمنون برسالة سامية ويرون أنّ على الفن أن يحملها كي يستحقّ الاحترام والتقدير والبقاء وكي يفرض وجوده ويمدّ ظلاله عبر الأجيال، فالأجيال مازالت حتى اليوم تطرب ويلهبها الحماس حينما تسمع تلك الألحان الراقية الباقية كمثل: "وطني حبيبي الوطن الأكبر.." أو"أصبح عندي الآن بندقية..." أو " بالغار كللت أم بالنار ياشام...و شام ياذا السيف وقرأت مجدك في قلبي..."، رغم المسافة الزمنية التي تفصلهم عنها. ولاشكّ أيضاً في أنّ المتطفلين على الفن اليوم يظلمون هذذا الجيل مرتين، الأولى حينما يضللونه بتقديم له وجبات الفن الرخيص المسموم ويكررونها على مسامعه بالتعاون مع بعض المتطفلين والمتسلّطين على المنابر الإعلامية والإعلانية؛ على أنّ ذلك اللون هو الوجبة الثقافية الوحيدة الصالحة لهذا العصر، أمّا الظلم الثاني فهو حينما يتّهمون الجيل بأنه هو الذي يطلب مثل هاتيكم الأصناف الفاسدة المفسدة من الأغاني والكليبات والمسلسلات والأفلام التي تروج للميوعة والرذيلة والفوضى والضجيج وتهمل غرس الأخلاق والمشاعر السامية والرؤى البنّاءة التي تعلي شأن الخير والجمال والألفة والتعاون وحب الوطن في النفوس...

     وعلى الرغم من الإمكانات الهائلة المتاحة التي بات التطور التقاني يمنح بها الفرد قدرة هائلة على التسويق والترويج؛ وبالرغم أيضاً من كل الادعاءات الكاذبة بالحرية الشخصية وحرية التعبير فإنّ السؤال المعاتب ماينفكّ يرشق وجوه القائمين على التحكم بالصمامات الرقابية؛ مطالباً بتحفيز الضوابط والإجراءات الصارمة التي تكسر معاول أولئك الساعين إلى هدم صروح ثقافتنا الأصيلة وتلويث قيمنا النبيلة وقهر نفوسنا الجميلة...*

الثلاثاء، 29 أيلول، 2009

 

 



أضف تعليقا