غريبة ... أم مُستَغرَبة...؟!
http://www.husamdeen.jeeran.com//
http://www.husamdeen2.jeeran.com//
husamdeen@hotmail.com
محمد حسام الدين دويدري
لعمري إنها ظاهرة مُستَغرَبَة؛ على الرغم من كونها لم تعد غريبة في مجتمعنا اليوم". ربما تبدو هذه العبارة في ظاهرها مشحونة بالتناقض المثير؛ لكنها مع ذلك تبقى في حقيقتِها صحيحةً ودقيقةً حينما تعبّر عن ظاهرة شاذّة بتنا نشهد تكاثرها في أحيائنا بشكل يثير القلق على جيل يُفتَرَضُ بنا كآباء أن نكون أشدّ حرصاً على تنشئته وتقويم سلوكه كي يكون قادراً على قيادة المستقبل.
أقول هذا ولست أُنكِرُ أنني لم أستطع كتم غيظي وتحفظي وأنا أرى حفنة من الشبان المراهقين يمكثون كلّ ليلة في الشارع المتاخم لمنزلي وحتى ساعة متأخرة من الليل وهم يتصايحون ويصفّرون ويطلقون المفرقعات النارية مسببين حالة من القلق والإزعاج للجوار، وأنا أعلم أنّ هذه الصورة باتت – وبكلّ أسف - تتكرّر كلّ يوم في كثير من أحياء المدينة كما كنت قد سمعت أو قرأت في شكاوى كثيرة ماتزال ترد إلى الصحف وتنطلق من هنا وهناك متسائلة عن دور الأهل في كبح جماح أمثال هؤلاء المراهقين وضبط توجيههم بالشكل السليم؛ وعن دور القانون في مثل ذلك؛ ودور الجهات المعنية المسؤولة عن تطبيق القانون وإطلاق سراح نصوصه المعطّلة والحبيسة بين الرفوف والأدراج.
ولعلّ الأغرب من ذلك أنك بتّ ترى بعض السيارات يقودها طائشون في الشوارع وأيضاً حتى في ساعات الليل وهي ترسل عبر نوافذها هديراً مرعداً ينبعث من المسجّلات الحديثة المجهّزة بمضخمات الصوت. وكثيراً ماتجد أيضاً منهم من يضع يده على "الزمور" بشكلٍ سافر دونما أيّ اكتراث بما قد يسببه ذلك من آثار سلبية على راحة الناس وصحة المرضى منهم...
لاشكّ في أنّ مثل هذه الظواهر كانت بالفعل في الماضي غريبة عن أخلاقنا وعن نربيتنا الأسرية التي كانت تعلي شأن الإحساس بالآخرين والحرص على الجوار وتركّز جُلّ اهتمامها في حسن تربية الصغار وحسن توجيههم؛ حينما كانت الأسر عالية الترابط بالمجتمع شديدة الحرص على عدم ترك الأبناء ساهرين حتى ساعات متأخرة من الليل صوناً لصحتهم البدنية والنفسية؛ بل حينما كانت الأسر تحرص على مراقبة سلوك أبنائها مع أقرانهم داخل وخارج المنزل اتّقاءً لمزالق الانحراف ورفاق السوء...
ربما يرى البعض أنّ "حلب" قد تحولت بأسرها إلى مدينة ساهرة بحكم التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت على المجتمع الحلبي في الآونة الأخيرة؛ حتى أن معظم الفعاليات والمحلات التجارية لم تعد تباشر نشاطها اليومي قبل ساعات الظهيرة، وبالتالي فإنّ هذه الظاهرة لابدّ أن تعكس تأثيرها على الكبار والصغار على حدٍّ سواء. وهذا يعني أنّ ثمّة انزياح جماعي عن الوضع الأسري السليم بات يقرع أجراس التنبيه منذراً بتفاقم الأزمات الاجتماعية والتنموية واستمرار تحول المدينة من مدينة منتجة إلى مدينة مُنهَكَة مستهلِكة؛ مالم يتنبه الآباء إلى ضرورة تعديل هذا المسار الأسري السلبي الذي أصبح ينذر بعواقب تربوية وخيمة سوف تعكس تأثيرها على مستقبل الأجيال...
لاشكّ في أنّ في القوانين والأنظمة من النصوص ما يمكن أن يضع حداً لمثل هذه الظواهر السلبية؛ لكنّ المُشكلة تبقى في الواقع المعطِّل لهذه النصوص وفي الآلية المفترضة التي تكفل وضعها موضع التطبيق...*
الاحد، 30 آب، 2009









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية