واحة الأدب

مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//

لعلكم تتقون

لَعلَّكُمْ تَتَّقون

http://www.husamdeen.jeeran.com//

http://www.husamdeen2.jeeran.com//

husamdeen@hotmail.com

محمد حسام الدين دويدري

 جوّال  095278048

      يعلم الله وحده أنني لست أُغالي إنْ قُلتُ: "إنني؛ كلما هَلّ علينا هلالُ رمضان ووقفنا على أعتابِ الرحمةِ والغُفران؛ ينشرح صدري ويستبشر فكري وأشعر بالنور يَغسِل قلبي مُفسِحاً المجالَ للأمل كي يَنغرِسَ فيه؛ وأنا أتلو قول الله تعالى: "يا أيُّهَا الذين آمنوا كُتِبَ عَلَيكُم الصِيَامُ كَما كُتِبََ على الذينَ مِنْ قَبلِكُمْ لَعَلَّكُم تتَّقون"، إذ لطالما كنت أستشعر في هذه الآية الكريمة حقيقة المعنى و مُراد الهدف. فهذه العبادة بالتحديد أرادها الله سبحانه وتعالى أن تكون عبادة جماعية الأداء عامّة الفائدة. فقد أراد الله للناس حينما يصومون في وقت واحد فيَدَعُونَ طعامهم وشرابهم وشهواتِهم ويشعرون جميعاً بالجوع والعطش في آنٍ واحد؛ أن تتوحّد مشاعرُهم؛ ليُحِسّ الغني بإحساس الفقير؛ ويتَّحد المسار والمصير؛ ويبذل كُلّ امرئ قصارى جهده في التمسّك بحبال الصبر في كلّ أمر؛ كي لايفسد صومه  وهو يعلم أن الصيام في حقيقته ليس فقط بالإمساك عن الطعام والشراب فحسب؛ بل باجتناب كل أصناف المعاصي والآثام والمنكرات والموبقات. و‘نّك لترى الكل يسارعون في الخيرات ويحرصون على التحلّي بالصبر والأناة؛ سواء ذلك في العلاقات فيما بينهم والمعاملات أم في أداء العبادات، فالتورط في المعاصي يفسد الصوم واستكثار الخيرات يُسَدِّدُهُ ويزيد من الحسنات؛ في موسم ثريِّ الحصاد تكون فيه الأجور مضاعفة وتزداد فيه القربات طلباً للمغفرة والرحمات.

     فرمضان إذاً علاوة على كونه موسم توبة و استغفار؛ هو مدرسة الصبر ودورة سنوية في الإصلاح تسمو بالنفس وتُطهِّرها من مفاسدها لتزيد من عزيمتها. وبالتالي فإنها تسمو بالجسد أيضاً عن الانجراف وراء المعاصي ومزالق العدوان؛ ليغدو الإنسان متسامحاًُ مع أخيه حريصاً على التآلف والتواصل معه وصون حقوقه...، ولعلّ في الربط المتكامل بين الصوم وزكاة الفطر خير دليل على حكمة التقوى الفاعلة في ترابط أفراد المجتمع وتقوية دعائمه...

     ومادامت "التقوى" هي الحكمة الحقيقية من الصيام؛ فلاشكّ في أنّها ستبقى على الدوام مثار الاستبشار والأمل في الإصلاح، إذ لابدّ أن تصل بالصائمين إلى مجاهدة النفس لحفزها على الامتناع عن كل موارد الخطأ التي ماتزال تسيطر على ضعفاء النفوس مبرزة إلى الوجود الكثير من الظواهر السلبية التي ماتزال متفشية في المجتمع؛ والتي ماتزال أيضاً تشوّه صورته الحقيقية لِتُفسِدَ علينا متعة السمو والارتقاء وسعي المخلصين إلى النقاء. فلم نزل نرى فيما بيننا من تدفعه "أمّارته بالسوء" إلى الاحتكار والعبث بالقوت وبالأسعار. ولم نزل نرى مَن لا ينهاه صيامه عن الفساد والإفساد وتعطيل مصالح العباد إما تهاوناً وإهمالاً أو سعياً وراء التكسّب "المعتاد"، ونرى من يرمي النفايات والقاذورات ومصادر الأذى في الطرقات؛ أو يمدّ يد العبث إلى الممتلكات أو لايبالي في أمر الإساءة إلى البيئة وتشويه المباني والحارات. بل لم نزل نرى من عاد إلى العادة الذميمة في إطلاق المفرقعات وإتلاف الأموال والطاقات؛ ونرى أيضاً من يَسُدّ بسيارته على الناس السبل والممرات بحجّة قدومه إلى المسجد لأداء الصلوات...

     سيبقى رمضان هو الأمل في الفلاح على طريق الإصلاح؛ فلعلّنا نُفلِح في التتمسّك بأسباب الحكمة من صيامه وقيامه؛ وننجح بقدر ما نتيح لأنفسنا من "التقوى" في تنقية مجتمعنا من هذه الظواهر الشائهة؛ ولعلّه يكون لنا معيناً على اكتساب القدرة على الاحتفاظ بسلوك رمضان وأخلاقه على مر الأيام وتّساع الأزمان؛ كي نحقّق السلامة للحاضر وللآتي الأمان...*

‏الاحد‏، 23‏ آب‏، 2009

 



أضف تعليقا