البحث العلمي بين التنسيق والتسويق
http://www.husamdeen.jeeran.com//
http://www.husamdeen2.jeeran.com//
husamdeen@hotmail.com
محمد حسام الدين دويدري
لطالما غمرتني المُتعة والنشوة وأنا أتابع بنَهَم تلك البرامج العلمية المُتقَنَة والمترجَمة إلى العربية؛ والتي ماانفكت تبثها بعض القنوات الفضائية العربية الجادّة والهادفة حتى أَدمَنْتُ مشاهدتها وباتت تشكّل كلّ يوم وجبةً معرفية دسمة تغذّي معرفتي التراكمية المتواضعة، لكنني كلما شاهدت فقراتها الثَرِية المُثرِية كنت أتساءل في نفسي: ترى... كم يستغرق إنتاج الدقائق المعدودة من تلك الأفلام؛ كالتي تصوّر الرؤى المتطورة للعالم متناهي الصغر وتشرح تطبيقاته العملية؛ أوكتلك التي ترصد حياة وسلوك أحد مجتمعات النمل أو النحل أو أي كائن مخلوق في هذه الحياة ببرّها وبحرها...؟، وكَمْ تُكَلِّف عملية إنتاج تلك الدقائق...؟، كيف يتم رصد المعلومات وتجميعها وتحليلها؟، ماهو مردودها المادّي والمعرفي العائد على البشرية وعلى المجتمع؟؛ ولماذا لانجد بين كل ذلك الرصيد من تلك الأفلام العلمية مُنتَجاً عربياً يشير إلى ضلوع الجهات الأكاديمية العربية في مثل تلك الأبحاث الساعية إلى سبر أسرار الكون وفهم تطور قوانينه؛ ويشير إلى حرص تلك الجهات الأكاديمية على لعب دور فاعل في إثراء معارف المجتمع والسمو بأفراده وباهتماماتهم اليومية، وهل يقتصر دور الجامعات فقط على تخريج الكوادر وتأهيل الشباب لشغل المناصب وإدارة مفاصل العمل..؟؛ أم لابد وفي إطار شعار "ربط الجامعة بالمجتمع" من أن تسعى الجامعة إلى إيجاد منابر تَواصلٍ مناسبة لنشر الوعي المعرفي بل ولتسويق الأبحاث العلمية التي قد يقوم بها بعض الباحثين النابضين في رحابها سواء في مجال الدراسات العليا أم في مجال البحث العلمي الهادف إلى الارتقاء والإبداع وليس فقط إلى الترقية والحصول على الدرجات والألقاب...؟!.
لاشك في أنّ البحث العلمي عملية هادفة إلى الارتقاء بمستوى الإنسان على كل المستويات: فكرياً وثقافياً ومعرفياً وحضارياً بشكل يوسّع آفاق مداركه وفهمه لحقائق الوجود ولدوره الواجب في إعمار الكون وتنقية وتطوير بيئاته للتغلب على محتلف العقبات والصعوبات والآفات التي تعترض حياته وحياة الأجيال اللاحقة التي ترث رصيده المعرفي؛ وبالتالي فإنّ البحث العلمي مهما ارتفعت متطلباته وتكاليفه المالية لا يمكن أن يُعَدّ رفاهية أو ترفاً معرفياً تمارسه مجموعة منعزلة عن المجتمع إرضاءً لمخيلات جامحة؛ أو عمل محتوم يقوم به أفراد كجزء من جهدٍ روتيني في مسار الحصول على لقب علمي أو شهادة يرقى بها الباحث في مراتب عمل وظيفي؛ بل أصبح البحث العلمي سباقاً محموماً نحو امتلاك ناصية القوَّة والسيادة والتحكم بقيادة بني البشر؛ في عالَمٍ لم يزل رغم كل ادّعاءات التحضّر يتمسّك يقانون "الاصطفاء الطبيعي" والبقاء للأقوى. خاصة بعد أن حققت البحوث المتطورة في مجال سيادة الذكاء الصنعي فتحاً وسبقاً في الزيادة الكََمِّية للإنتاج النوعي المتطور والمتميّز الذي يتطلّب الاستمرار الدائب في البحث عن الإبداع في التطوير لفرض إرادة المُنتِج على المُستَهلِك وتحريض رغبته في الاستهلاك.
ولاشكّ أيضاً في أنَّ إطلاق العنان للبحث العلمي من عقاله في جامعاتنا نحو الإبداع والتميّز يتطلب - بالإضافة إلى الدعم المادّي والمالي- إعادة النظر في روتين تسجيل وإطلاق البحوث العلمية ورعايتها وأساليب تمويلها وتأمين متطلباتها؛ هذا بالإضافة إلى خلق المنابر الكافية واللازمة للتعريف بها وبنتائجها وتسويقها بهدف الخروج بها من بطون الرسائل والكتب المحبوسة على الرفوف إلى الحيِّز العملي الذي يكفل لها استمرار النطوير وفاعلية الوجود...*
الاحد، 16 آب، 2009









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية