واحة الأدب

مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//

سباق مع الزمن

سباق مع الزمن

http://www.husamdeen.jeeran.com//

http://www.husamdeen2.jeeran.com//

husamdeen@hotmail.com

محمد حسام الدين دويدري

 جوّال  095278048

     حينما جلست كعادتي في المساء على شرفة منزلي أتنقّل بين المحطات الإذاعية المتناغمة في "الأثير" عبر لمسات رشيقة تمرّ بها أصابعي على جهاز "الراديو" الذي استقرَّ كعُصفورٍ صغيرٍ على راحة كفي؛ وجدت ذاكرتي تطير بي بعيداً عبر أزمان خلت مستعيدة بعض الصور القديمة لهذا الجهاز الساحر الذي مايزال منذ عقود مسامر الساهر و رفيق السائح المسافر. وتذكرت ذلك الصندوق الخشبي الكبير المزركش الجميل؛ الذي كانت تتحلّق الأسرة حوله في المساء؛ وما كان يشغلني من التفكير في السرّ الكامن في ذلك الشريط "الهوائي" الذي إذا انفصل عنه أصابه بالخرس؛ وفي تلك الصمّامات الزجاجية الضخمة المتوهِّجة في داخله. ثم تذكرت كيف اختَصرتْ ثورةُ "الترانزستور" والرقائق النحاسية هذا الجهاز حتى صَغُرَ حجمُه وخفّ حمله؛ فتحوّل من الصُحبة الجماعية إلى الصُحبة الفردية، ثمّ تابع تضاؤله حتى اختُصِرَ في أحجام صغيرة رقيقة رخيصة الثمن يسهل وضعها في الجيوب؛ كما تمّ إدماجه بالهواتف الشخصية  المحمولة وفي ساعات اليد الإلكترونية...، وهكذا تمكن الإنسان المعاصر من الولوج بقوّة في حضارة التقانات متناهية الصغر "النانو تكنولوجي" بالمزيد من البحث المتواصل وما حققته تقانات الذكاء الصنعي المبرمج من فتوحات ماهرة ساهمت في نقوية طاقات البشر في الصنع والابتكارـ ومن ذلك أن تمّ  تصنيع ترانزستورات ودارات أصغر بكثير من تلك التي كُنّا نعتبرها صغيرة؛ وذلك بتصنيعها من الجزيئات الفردية بحيث تم التوصل إلى بناء "ترانزستورات" مُبتَكَرة من أنابيب كربونية بالغة في الصغر تَمَّ تصنيعها من طبقة واحدة من الذرات الكربونية، ومن شأن هذا الابتكار اختصار حجم الأجهزة المُصنّعة بهذه التقنية وتقليل الطاقة اللازمة لتشغيلها وزيادة سرعة أدائها. وقد لاحظ العلماء الباحثون أنّ الخصائص الكيميائية والفيزيائية للمادة تتعير تغيراً جوهرياً في المقياس متناهي الصغر "النانو" كاللون والقوة والصلابة والتفاعل؛ ووجدوا أنّ "نانو" من الكربون أقوى بمئة مرة من الفولاذ، وهو أيضاً أخف وزناً بست مرات، وهذا يكشف سرّ قوّة السيف الدمشقي الذي اشتهر في عهد صلاح الدين بمضائه وصلابته وخفة وزنه والذي حيّر العلماء زهاء ستة قرون إلى أن نجح عالمان أمريكيان من جامعة "ستانفورد" في كشفه بعد جهدٍ بذلاه لسنوات في المختبرات، وكذلك فعل فريق بحثي ألماتي من جامعة "دريسدن" عام 1991؛ حيث تم اكتشاف وجود أنابيب كربونية دقيقة بأبعاد نانومترية (من رتبة جزء من المليار من المتر)؛ مما يعني أنّ صانعي السيف الدمشقي كانوا يتمتعون بقدر مبدع من المهارة والتقنية كانت نتاجاً لبحثهم الدائب المخلص عن الإبداع في مجال أدائهم...

     وقد فتحت البحوث التجريبية في تقنية "النانو" المجال لبعث التفكير الحالم الذي بدأه العلماء العرب في الماضي في "تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب عبر فكرة إعادة ترتيب الذرات التي تتكون منها المواد سعياً وراء عملية التحويل؛ كمثال "الماس" الذي هو إعادة ترتيب لذرات الكربون؛ ورقائق الكمبيوتر المصنّعة من إعادة ترتيب ذرات الرمل مع إضافة بعض العناصر القليلة، وهذا يعني أننا نقف على أعتاب قفزة حضارية قوية حالمة بتحقيق نقلة نوعية في الحياة البشرية تقتصد في استهلاك الطاقة وتقلل من استنزاف الموارد الطبيعية وتحدّ من التلوث الذي أحدثته الثورة الصناعية؛ وربما ستعيد تقييم الذهب كأغلى معدن على وجه الأرض، لكنّ هذا الحلم لابدّ أن يكون معتمداً بشكل أساسي على الفكر المٌبتَكِر المبدع الذي سيكون بلا ريب أغلى من الذهب؛ وعلى تقانات الذكاء الصنعي الأقدر على التصنيع الدقيق من اليد البشرية...

    ويبقى السؤال المُلِحّ صارخاً: "أين نحن من كلّ هذا..؟ ولماذا لانستعيد راية التفكير المخلص المبدع التي تألق بها أجدادنا...؟؛ وإلى أين وصلت جامعاتنا في هذا المجال...؟. نحن في سباق مع الزمن؛ والزمن يتابع مسيرته المسرعة، والقادم آتٍ ليزيد الهوّة بين المُنتِج السيّد والمُستَهلِك التابع المُستَهلَك؛ في عالم لن تكون فيه السيادة والعزّة إلا للأقوياء...*

‏الأربعاء،05 آب، 2009



أضف تعليقا

omarelzahed من لبنان
06 اغسطس, 2009 03:29 م
اخي العزيز الأستاذ حسين
اعجبتني مقالتك وتعمقك في البحث عن التكنولوجيا التي وصل اليها العالم لكن سؤالك
هو أين نحن من كل هذا ؟!
نحن متلهون بالقشور سيدي متلهون بمن يحكم من ومن يعمل مرشدا لخدمة من حتى أن هذا الداء استشرى بين أبناء اجيالنا الجديدة التي كان أقل ما يجب أن تبنى على العلم والتكنولوجيا والتقدم ومن ابنائنا من رفضوا هذا الواقع لكن بدلا من يغيروا ببلدهم يهاجروا الى الغرب فتضيع معهم ثروات كان يجب أن تستفيد منها امتنا العربية
دمت بكل خير
husamdeen2 من سوريا
22 اكتوبر, 2009 10:51 ص


omarelzahed

اخي العزيز الأستاذ عمر الزاهد
أولاً أود تصحيح اسمي
محمد حسام الدين وليس حسين
وأعتقد أننا تعارفنا سابقاً
شكراً لما نثرت حولي من عطر
المشكلة ليست في الجيل الجديد؛ بل بمن يشرف على تربيته من أسرة وإعلام وجهات ترلوية
لقد ركب الجميع موجة الانبهار بالغرب؛ ونسينا حضارتنا التي لابد أن يأتي جيل ليخرجها من رمال التراخي ورماد الحصار...
إني إن شاء الله متابع الحديث حول هذه القضايا في الزوايا الأسبوعية التي أكتبها للصحيفة التي التزمت بها وعلى موقعي ومدونتي
أسعد بمتابعتك