حلول شرسة
http://www.husamdeen.jeeran.com//
http://www.husamdeen2.jeeran.com//
محمد حسام الدين دويدري
لم أكن أتصور في يوم من الأيام أن أشاهد مثل هذا الاختراع "الجهنمي" الذي تفتقت عنه عقليات أولي الأمر في الجهات المعنية بحركة السير وتنظيم شوارع المدينة. كان دافعي إلى زيارة ذلك المكان ماسمعته عن آثار ذلك الاختراع الذي ذكّرني بالحديث الشريف الذي يجعل " إماطة الأذى عن الطريق" من شُعَبِ الإيمان؛ بل تذكرت أيضاً قول الخليفة العادل عمر بن الخطّاب: "لو أنَّ شاةً بأرض العراق تعثَّرتْ لخشيتُ أنْ يَسألَني الله عنها: لِمَ لَمْ تُعَبِّدْ لها الطريق يا عُمَر" . ومع كلِّ إدراكي واحترامي لنُبْلِ الهدف الذي أراده ذلك المسؤول عن وضع هذا المطبّ؛ فإنني أجد نفسي أمام قاعدة هامة مفادها: "إن الخطأ لايجوز أن يُعالج بالخطأ".
أجل لقد سمعت الكثير من الأحاديث "الاستنكارية" التي راح يتبادلها القاطنون في المنطقة المجاورة لمدرسة "الحوري" قرب سوق الإنتاج حول المطبّ الحديث الذي تمّ تركيبه منذ مدّة عند أول الشارع المجاور للمدرسة باتجاه منطقة خلف سوق الإنتاج الزراعي والصناعي بحلب؛ ذلك المطبّ المُبْتَكَر الذي يهدف إلى منع السيارات من عبور الشارع في الاتجاه المعاكس، وعلمتُ أنّ هذا المطبّ قد تحول إلى مصدر رعبٍ لأهالي المنطقة الذين باتوا يخشون على أطفالهم من التعثر والسقوط فوقه بعد أن تكررت حوادث تعثر المارّة وإصاباتهم من جراء ذلك بالكسور والأضرار الجسدية؛ خاصة وأنّ هذا المطبّ مجاورٌ تماماً لباب المدرسة مما يشكّل تهديداً مباشراً للأطفال. وقد لفت انتباهي أنّ المطب مصمّم على هيئة نتوءات حديدية طويلة مدبّبة بارزة كأسنان وحش مفترس؛ وهي مثبتة على شبك معدني بحيث تنثني مختفية في الأرض في أحد الاتجاهين وتتسمّر في مكانها في الاتجاه الآخر بهدف إعاقة وتخريب عجلات أي سيارة يحاول سائقها العبور بها في الاتجاه المُعاكس، ولست أُنكِرُ أنّ الفكرة فيها مافيها من الجِدّة والابتكار، لكنني تصورت على الفور كم من الأقدام ستتعثر في ذلك الشرك لتسقط على تلك الأسنان التي لابدّ أن تنغرس في عظامها...؟!.
ربما يساهم طرح هذا الأمر في إبراز العديد من التساؤلات حول مدى حضارية ومدى جدوى المطبات السرطانية التي راحت تتكاثر وتنتشر بمختلف أنواعها وأشكالها في جسد مدينة حلب بالذات؛ والتي ربما تكون سبباً مباشراً في الإضرار بصحة مريض تعبر به إحدى سيارات الإسعاف التي قد تضطر إلى العبور مسرعة بمن تحمل، ولعلّ الغريب في الأمر أنّ هذه المطبات هي في الغالب مطبات فجائية غير واضحة وغير ملونة وغالباً ماتفاجئ زائري المدينة غير العارفين بتضاريسها. وهنا لابأس من أن نقف قليلاً لنتساءل: ترى لماذا يلجأ أولوا الأمر لمثل هذه "الحلول الشرسة" لإرغام المواطن على التقيد بالقوانين والأنظمة...؟!، هل يئسنا تماماً من قدرة القيم والمعايير الأخلاقية ومن قدرة الإعلام وزُمَرِ الواعظين على التثقيف الحضاري ونشر التوعية؟!؛ وهل فَشِلَتْ الأساليبُ الرقابيةُ المعروفة في فرض احترامها وفي وضع الحلول التي تكفل التقيد بالنظام...؟. ألم يَكُن من الأجدى والأرقى وضع أنظمة حديثة ومتطورة للمراقبة بالكاميرات في تلك المواقع مع التَشَدُّد العادل في فرض العقويات الرادعة بحق المخالفين...
لسنا نشكّ في أنّ هذه الحلول المفروضة الآن سليمة الهدف والنيَّة؛ وقد اجتهد مبتدعوها ولهم في ذلك أجر، لكنها لن تصل إلى حل المشكلة بالشكل الصحيح؛ بل تضيف مشاكل وآلام جديدة سواء على الصعيد الجمالي للمدينة أم على الصعيد الاقتصادي أم على الصعيد الاجتماعي والصحي، ولهذا فالأمر يتطلب من الجهات المعنية المسارعة في التفكير الجدّي في حلول أكثر منطقية وأعلى رقياً تحرص على جمال المدينة وعلى سلامة أهلها....*
الاحد، 12 تموز، 2009









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية