واحة الأدب

مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//

التلوث بالإعلان

التلوث بالإعلان

http://www.husamdeen.jeeran.com//

http://www.husamdeen2.jeeran.com//

husamdeen@hotmail.com

محمد حسام الدين دويدري

 جوّال  095278048

لطالما دفعتني مُتعة الإحساسِ بالجمالِ إلى المُكوثِ أمام الشاشة الزُجاجية الصغيرة؛ لأجتزئ من الزمن فُسحةً أقوم عبرها بجولاتٍ سياحية "افتراضيةٍ" شبه مجانية عبر الشبكة العنكبوية "الإنترنت"؛ أزور فيها بعض مُدُنِ العالم فأطَّلِع على أنماطِ تَوَزُّع التجمعات السُكَّانية؛ مُحاولاً اقتناصَ بعض الصور الجميلة المُثبَتَةِ على خرائطِها. ولطالما دفعني حُبُّ مدينتي "حلب" إلى تخصيص مساحةٍ من ذلك الزمن للتمتع بجمالها الافتراضي...!؛ دون أن يبدو لي ذلك النزوع أمراً غريباً أومُتناقضاً مع تواجدي الحقيقي فيها وإدراكي لمدى مقدرتي على التجوال بين أحيائها والتمتع بجمال كثيرٍ من الأبنية الرابضة في شوارعها. لكنني حينما تساءَلتُ عن الفارق بين الجمال الافتراضي والجمال الحقيقي؛ وجدتُ نفسي قبالة كثير من التشوّهات التي تبدو واضحة المعالم على أرض الواقع لتخدش الوعي الجمالي للناظر وتسيء إلى جمال الصورة المختزنة والمسافرة عبر بصائر الزائرين. فبالإضافة إلى كلِّ مابات يُقلِقُنا من ملوثاتٍ مُسِيئةٍ للبيئة الحيوية للمدينة مما بتنا نشهده صباحَ مساء خلال نشاطنا اليومي؛ أصبحت قضية "التلوث بالإعلان" من أكثر تلك التشوهات المستعصية على الحَلِّ انتشاراً؛ وربما كانت من أقلها لفتاً لانتباه أولي الشأن. إذ باتت تفرض فظاظتها حتى في أرقى الأحياء وعلى جدران أجمل المباني؛ ذلك مع استمرار تفشي الفهم الخاطئ لأُسُسِ التعامل مع هذا الإِفراز الحضاري المُصاحِب لتنامي النشاطات الاقتصادية. فكثيراً ما يَشُدُّنا جمال البنية العمرانية لأحد المباني وما قد يدخل في تركيبته من عناصر زخرفية مُتقَنَة شكَّلَتها يد فنان معماري ماهر من حجارة حلب المميّزة؛ حتى إذا أمعنا النظر في ما طرأ عليها من عبث وجدنا الملصقات والخطوط الإعلانية العشوائية المتناثرة على أسفل الجدران وفي مداخل الأبنية وأبواب المصاعد وفي مواقع كثيرة تسيء إلى ذلك الجمال الفريد، وكثيراً ما تجد في مكان الصدارة من الشارع على أحد الجدران كتابة بخط اليد بواسطة قلم خاص أو ريشة عريضة عبارة "دهانات...؛ أو مازوت....؛ أو مكتب.... للخدمات المنزلية. بل إنك كثيراً ما تفاجأ بأناس يقومون بتوزيع أوراقٍ إعلانية على المصلين أثناء خروجهم من أبواب المساجد ليقوم بعض هؤلاء برميها أرضاً بعد قراءتها؛ لتتحول إلى مشوِّهاتٍ تذروها الرياح حول المكان مسيئة إلى جماله وإلى بيئته وإلى قدسيته ...

    ليس ثمّة شك في أنّ الإعلان أصبح يشكّل دعامة أساسية للحركة الاقتصادية. كما غدا اليوم فناً قائماً بذاته؛ وهو حرفةً لها مهاراتها المتطوّرة؛ وفيها الكثير من العناصر الجمالية التي كان من المفترض أن ترقى بالذوق العام وبمستوى الوعي الجمالي للفرد وهي تسوّق ببراعة للمنتجات المتقافزة إلى الأسواق وتعرّف المستهلك بها بشكل متجدّد ومُبتَكَر، وقد وضع المُشَرِّع لهذه المهنة الضوابط القانونية التي تنظّم مسارات النشاط الإعلاني وتضبط حركته بشكل يحافظ على بعض المصداقية ويدرأ عن الوطن أخطار التلوث والتشوية وعن المواطن مطبات الإزعاج و التضليل، لكنّ وعلى مايبدو فإنّ هذه الضوابط ماتزال قاصرة عن ردع التجاوزات التي يقوم بها بعض الجاهلين الذين شغلتهم أنانياتهم عن إيقاظ الوعي الجمالي الغافي في نفوسهم اللاهثة؛ فباتوا غير مدركين لمدى التشويه الذي يحدثونه في صورة مدينتهم العريقة التي كان يضرب المثل في الماضي بجمال مبانيها ونظافة شوارعها ورقي أهلها...*

 

‏الثلاثاء‏، 07‏ تموز‏، 2009

 



أضف تعليقا