واحة الأدب

مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//

نزهة مخجلة

نُزهة مُخجِلة

http://www.husamdeen.jeeran.com//

http://www.husamdeen2.jeeran.com//

husamdeen@hotmail.com

محمد حسام الدين دويدري

 جوّال  095278048

     كثيراً مايلعب الجهل واستفحال الأنانية - بل واللامبالاة أيضاً - دوراً خطيراً في تحوّيل المُنجَزاتِ الحضاريةَ إلى وبالٍ يُشَكِّل تهديداً مباشراً للحياة. لاشكّ في أنّ هذه العبارة هي النتيجة الحتمية التي لابدّ أن تترسخ في بصيرة كلّ ذي عقل وغيرة على الوطن يفكّر في القيام بجولة ميدانية مسائية في منطقة الحزام الأخضر؛ الذي أريد له أن يُزَيّن جِيدَ مدينة حلب ويكون رئة تُحَسِّنُ بيئتها وتُنَقِّي هواءَها فتدرأ عن أهلها سموم العوادم وماتسببه من أمراض خطيرة...

     و بالطبع فإنها لم تكن المرّة الأولى التي أقوم فيها بجولة في ذلك المكان؛ لكنني في هذه المرّة شعرت بالخجل الشديد وأنا أصطحب- مُكرَهاً- أحد زوار المدينة الغرباء انسجاماً مع رغبته, كنت أشعر بالهواء الفاسد ينخر عظامي؛ حيث وجدت ماتنفثه عوادم جيوش السيارات العابرة للطريق "المحلّق" تتآزر مع الدخان المتصاعد من جموع النراجيل المنتشرة بكثافة أمام المسترخين على الأرصفة أو الجالسين على الكراسي والطاولات البلاستيكية المُستَأجَرَة، ناهيك عن غمامات الدخان المتصاعد من مواقد الشواء التي كانت تبدو متناثرة على امتداد الشريط الأخضر. كان المكان يغصّ بمجموعات متقاربة من المتنزّهين. هنا مجموعة تفترش الأرض حول مائدة أرضية عليها ألوان من الأطعمة، وبقربها مجموعة أخرى أيضاً حول مائدة عليها قطع من البطيخ بنوعيه الأصفر والأحمر (الجَبَس)، وهناك مجموعة أخرى يتبادل أفرادها الأحاديث وهم ينثرون قشور المكسّرات في المكان حول المقاعد المُهَشَّمة التي وضعتها الجهات المعنية لراحة المواطنين فطالتها يد العابثين بالتحطيم حتى أنه ليخيّل لزائر المكان أن أخشابها استُخدِمَتْ في مُؤازرة ما يُقطع من بعض الأشجار لإضرام نار الشواء؛ أو أنّ المستفيدين مِنْ تأجير الكراسي البلاستيكية في المكان قد أقدموا على تحطيمها كي يضطر الناس إلى استئجار الكراسي والطاولات منهم. ولايخلو الأمر من مجموعات من الشبان يرقصون ويمرحون على أنغام الطبلة البلدية بعد أن ملؤوا البطون، ومن آخرين يلعبون بالورق أو طاولة النرد وهم يتصايحون بقصد أو بغير قصد...

     وهكذا وجدت نفسي أمام تساؤلاتٍ كثيرة مُخجِلة؛ كان يطرحها عليّ ذلك الضيف القادم من البلادِ الأجنبيّة؛ ولكن بلغته الفصيحة العربية التي تَعَلَّمَها في أحد معاهد مدينته النابضة فيما وراء البحار، وقد بدا مستغرِباً لغياب درجة الوعي المطلوبة وغياب الجهات الرقابية والقوانين المرغوبة. كنت كثير الحرج في تصنيع الإجابة؛ مجتهداً في تبديل مسار الحديث، حتى انقطع الكلام وظننت أنّ تلك الجولة قد انتهت بسلام. وعدت إلى منزلي مُنهَك الأفكار؛ داعياً الواحد القهّار أن يصلح الأحوال ويحقق الآمال بعودة كُلِّ هؤلاء الأحباب إلى جادّة العقل والصواب. ووجدت نفسي أتقلّب أرقاً في الفِراش. حتى إذا انبلج الصبح وعاد النور ليغسلَ الظُلمة؛ خرجت وحدي قاصداً ذات المكان لأرى نتاج ماجرى وماكان. ووجدت ما تبقّى من الساهرين يلملمون أشياءَهم ويرحلون؛ تاركين المكان أثراً بعد عين كأنه الأطلال. أمّا باعة القهوة والنراجيل فكانوا أيضاً يجهّزون أنفسهم للرحيل؛ فيغسلون بقايا الأوعية والأدوات، ويُحَمِّلون الكراسي والطاولات. ورحت أنظر بمزيد من الحسرة و"القرف" إلى ذلك التخريب عن سابق إصرار وعنادٍ وصَلَف. كانت قشور "الجبس والبطيخ" والبقايا السائلة تصبغ بقعاً من أرض الرصيف، أمّا أكياس "النايلون" وبقايا الأطعمة وقشور المُكَسَّرات فقد أخذت تُوَسِّعُ دائرة انتشارها لتتناثر مع نسائم الصباح بين أطلال المقاعد المحطّمة، وتذكّرت أنّ الجهات المعنية كانت قد وضعت العديد من الحاويات والسلال المُثَبَّتَة على الأرصفة؛ لكنّها تعرضت أيضاً للعبث والسرقة. كما تذكرت أنّ العديد من حملات التنظيف كانت تجري كلّ سنة في الصيف بأيادي "الشبيبة"، لكنني وجدت كلّ هذه الإجراءات بقيت قاصرة أمام انحسار الوعي والرقابة الذاتية وقصور وتقصير الرقابة الحكومية  وغياب أو تغييب القوانين والأنظمة الصارمة التي يجب أن تضرب بيد من حديد على أيدي كل الذين تُسَوِّلُ لهم أنانياتهم العبث بمقدّرات الوطن وتخريب منجزاته الحضارية والإضرار ببيئته وتشويه جماله…*

 

‏الثلاثاء‏، 30‏ حزيران‏، 2009

 

 



أضف تعليقا