واحة الأدب

مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//

شظايا صور

شظايا صور

http://www.husamdeen.jeeran.com//

http://www.husamdeen2.jeeran.com//

husamdeen@hotmail.com

husamdeen@mail2syria.com

husamdeen@maktoob.com

محمد حسام الدين دويدري

 جوّال  095278048

     كثيراً مايشعر أحدنا في سويعات الصباح الباكر بتألّق الجمال يسمو بنفسه عن صخب الحياة المادّية المعاصرة ليدفعه إلى التحليق الماتع في عوالم الجمال عبر رحلة يُمَتّع بها بصره بألوان الخضرة ويجدّد نشاط بصيرته بالتفكير الراقي في ملكوت الله وجمال الطبيعة التي اصطفاه الله ليكون حارساً لها. كانت العصافير الحرّة تؤدِّي نشيد الصباح حينما بدأنا الرحلة قاصدين أحد مرابع الخضرة اليانعة الزاهية في وطننا الحبيب، وانطلقت بنا السيارة مبتعدة عن غابة الإسمنت بين قوافل السيارات الزاحفة أوالمتسابقة على امتداد الإسفلت الفضي. وبينما كنت في غمرة النشوة لفت انتباهي صوت سيارة سوداء باذخة تسابق الريح وقد امتدت يد سائقها عبر النافذة لتقذف في الهواء علبتي سجائر ومياه غازيّة فارغتين قبل أن تتوارى عن الأنظار في غيابات الطريق. في تلك الأثناء شعرت بنوعٍ مُرٍّ من خيبة الأمل هوت بي من آفاق الجمال الأرحب لتذكرني بواقع مشوّه بتنا نغرق في مفرزاتِ آثامه صباحَ مساء، وتناثرت في بصيرتي شظايا مجموعة من الصور التي تعجّ بها المدينة، تذكرت الشوارع التي عبرناها في الصباح الباكر بين مجموعات من أكياس القمامة الكامنة أمام الأبنية وعلى جوانب الأرصفة بانتظار إزالتها...، واجتاحت ذاكرتي صورةٌ لمجموعةٍ من البشر اختارت لها مكاناً للنزهة والمرح في سويعات أمضتها ثم خلّفت وراءَها ماتبقى من نفايات وآثار أطعمة وقشور مُكَسَّرات؛ دون أن يفكّر أحد أفرادها بجمع تلك الملوثات لرميها في الحاوية المخصصة لرمي النفايات. وتلك صورة أخرى لكيس مملوء بالنفايات يُقذف ليلاً من إحدى الشرفات، وصورة أخرى لحاوية نفايات يُحرَق مافيها ناشراً أبخرته السامّة في الهواء...، وصورة أخرى أيضاً لأناس ينبشون في الحاويات ويفرغون ما حوته الأكياس...، أولتطاير بقايا أوراق وأكياس نايلون في جوانب الشوارع المرقعة والأرصفة المتهالكة...

     كنت أدرك أنني وصحبي نعيش لحظاتٍ متميزةً هادفين عبرها إلى كسر جليد روتين الحياة وغسل صدأ اللهاث اليومي، لكنْ وعلى الرغم من جمال الطبيعة في المكان الذي استقر بنا المقام فيه طيلة ساعات الرحلة؛ فإنّ شظايا تلك الصور كانت تُعَكّر عليّ صفو الذات ومُتعة الجمال. حاولت جهدي استبدال تلك الشظايا بما وجدته في الطبيعة من جمال؛ لكنني وجدت نفسي أمام باقات من الأسئلة الشائكة حول الأسباب الحقيقية التي تكمن وراء هذا التناقض الواضح بين تعلّق الناس بالجمال وسعيهم الطبيعي نحوه وبين دورهم الشاذ الواضح في تخريب الجمال وتشويه بيئاته...!. حاولت جاهداًُ تناسي كلّ تلك الهواجس، حتى إذا ماعدت ثانية إلى المدينة وجدت كل تلك الشظايا بانتظاري تقرع بصيرتي محرّضة عودة التساؤلات المهاجمة حول الخلل الواضح في الأسس التربوية والتثقيفية ومدى حرص مناهجها المتوارثة والوضعية على نشر الوعي الصحي و والتثقيف البيئي وترسيخ مبدأ الأمن الجماعي وثقافة "إعادة التصنيع" التي تفترض من الجهات المعنية في مجلس المدينة التوجيه بنشر حاويات نوعية لأصناف النفايات؛ وكذلك التساؤلات أيضاً حول الخلل الواضح في أساليب جمع النفايات والتعامل معها. وتذكرت مانقرؤه بين الفينة والأخرى عن الأضرار البيئية لمقالب القمامة وكذلك ما كنت قد سمعته منذ أيام عن قيام الجهات المسؤولة عن النظافة في مجلس المدينة بمنع الأهالي من استئجار من يقوم بجمع النفايات المنزلية لرميها في الحاويات في وقت واحد؛ مع أنّ اعتماد الأسر لهذا المبدأ من شأنه أن يضمن الالتزام برمي القمامة في الحاويات في موعد مُحَدَّد وأن يُحَرّض على خلق نوع من التعاون بين تلك الأسر وعمال النظافة ويحدّ من تناثر تلك الأكياس بشكل عشوائي...

     ولاشكّ أننا قد لاحظنا في الفترة الأخيرة بعض الجهود المخلصة في تكرار جمع القمامة من الحاويات خلال ساعات اليوم؛ لكن ذلك الإجراء سيبقى ناقصاً وعديم الجدوى مالم يتم التوصل إلى جسر الهوّة السحيقة بين دور المواطن في الالتزام ودور الجهات المعنية في إيجاد البيئة السليمة لخلق وتكريس هذا الالتزام...*

‏الثلاثاء‏، 16‏ حزيران‏، 2009

 



أضف تعليقا