التنمية من منظور إسلامي
محمد حسام الدين دويدري
حينما كنتُ أُعيدُ استقراءَ ماجاءَ في كلمة السيد الرئيس بشار الأسد - حفظه الله ورعاه وسدّد خطاه لمافيه صلاح الأمة وعزّتها وتحقيق مجد الوطن- وما وجدته فيها من سَدادٍ في الرؤية وتكامل في الطرح؛ وقفت عند قول سيادنه: "لا يمكن الفصل بين الواقع والعقيدة إذا أردنا النجاح؛ لذلك علينا التركيز على تطوير هذا الواقع". وتذكرت قول الله سبحانه وتعالى: "وابتغِ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنسَ نصيبَكَ من الدنيا، وأَحسِنْ كما أحسَنَ الله إليك ولا تَبغِ الفسادَ في الأرض إنّ الله لا يحب المُفسِدين". وقفت أنظر مليّاً في ماوجدتُه في هذه الآية الكريمة من دعوةٍ صريحةٍ إلى تأسيس الفرد على مبدأ التوازن المستمرّ في السلوك البشري بما يحقق استمرارية الحياة إلى أن يشاء الله وبشكلٍ متنامٍ ومتطوِّر عن طريق خَلقِ توازنٍ وتكامل بين مستويات المتطلبات والدوافع الإنسانية: العقلية والمادّية والنفسية والروحية؛ في إطار فَهمٍ دقيقٍ وصحيح لحقيقة الترابط بين الذات والوجود المستمرّ وما يترتب على هذه الذات من دور فاعل تؤكّده الإرادة في صناعة المستقبل في الحياة الدنيا وفي الآخرة؛ يؤكّد هذا الدور ويؤطِّرُهُ نظامٌٌ وثيقٌ من أنظمة الرقابة الدائمة الكابحة للفساد؛ يتحقق عبر مفهومٍ وسلوكٍ عقائدي يربط الأداء بفلسفة الثواب والعقاب "الربّاني" فيجعل من تلك الرقابة نمطاً ذاتياً دائم الحضور والتصويب بالتآزر مع مكابح التوبة الصادقة والاستغفار المأمول...، ولا شكّ بأنّ هذا النظام يختلف كثيراً عن كلّ أشكال الرقابة الخارجية التي تبقى قاصرة مهما تطورت عن ضبط السلوك البشري في السرّ والعلن. ومن خلال هذا التصوّر الحضاري الإسلامي لضوابط ديمومة الوجود يتضح دور الإنسان في صناعة التنمية المستمرّة "المستدامة" حيث يتضح لنا أنّ الشريعة الإسلامية تنظر إلى :التنمية" على أنها فعلٌ متكامل وفق عملية مركَّبة تشمل كلّ جوانب الحياة وتطال كلّ مكونات المجتمع؛ وليست قاصرة على الجانب الاقتصادي وحده، ولهذا فإنّ الجانب التربوي هو أوّل منطلقات "التنمية المستدامة" في المنظور الإسلامي؛ ذلك لأنّ الإنسان هو العنصر الأهمّ و الفاعل الحقيقي في عملية البناء، فإذا كانت القوانين والمعايير والأخلاق الوضعية تجعل المصلحة الفردية والمادية هي الأساس في التعامل الفردي الذي يحرص من خلاله الفرد على عدم التجاوز "الظاهري" حرصاً على عدم خسارة مكاسب التعامل بينه وبين الآخرين؛ فإنّ المعايير الإسلامية تفترض أن يُمَارَسَ الحرص على نقاء الالتزام والتعامل في السرّ والعلن لكون الرقيب لايمكن أن يغفل أو يسهو أو ينام. فالثواب والعقاب في المنظور الإسلامي محقَّقٌ في مستويين "دنيوي و اخروي" ومادام الإنسان مخلصاً في عمله فلابد أن يُثابَ في الآخرة ولو تقاضى على عمله أجراً في الدنيا لأنّه بإخلاصه يُحقق المصالح المرسلة بين الناس فيحقق دوره في الوجود، فالإنسان مُستَخلَفٌ في الأرض لأداء مهمَّة؛ ولم يُخلَق ليكون مُجرّد مستمتِعٍ مُستَهلِكٍ، ولكن هذا لا يعني أن يزهد في نِعََمِ الله ويحرم نفسه ممّا آتاه الله من الرزق الحلال؛ بل يأخذ نصيبة من الحياة الدنيا بلا إسرافٍ ولا تقتير. ومن خلال هذا الفهم المتطابق مع مفهوم "التقوى" يتَّضح حرص الإسلام على التوازن ليس فقط في العلاقة مع الذات بل في العلاقة مع الآخرين أيضاً وحرص الإنسان المؤمن على حقوق الآخرين المادية والمعنوية وعلى استمرار "الانفتاح" والحوار بينه وبينهم مهما اختلفت عقائدهم وأعراقهم وانتماءاتهم، وهذا ما يحقق المنطلقات والثوابت الحضارية التي بات ينادي بها المفكرون اليوم في جميع أنحاء العالم "العدالة، السلام 0 المساواة وحقوق الإنسان..." دون أن تتمكن القوانين الوضعية المُصَنَّعة من تحقيق الحد الأدنى منها...
هكذا قرأت بعض ما جاء في كلمة السيد الرئيس في افتتاح مؤتمر وزراء الدول الإسلامية فوجدت فيها دعوة صريحة لنا إلى تصحيح مسارنا الحضاري كي نكون مؤازرين له في سعيه الدائب لتحقيق التنمية الشاملة المستدامة....*
الثلاثاء، 02 حزيران، 2009









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية