واحة الأدب

مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//

شهادات بين التثمير والتأجير..!

شهادات بين التثمير والتأجير..!

http://www.husamdeen.jeeran.com//

http://www.husamdeen2.jeeran.com//

husamdeen@hotmail.com

husamdeen@mail2syria.com

husamdeen@maktoob.com

محمد حسام الدين دويدري

 جوّال  095278048

     لطالما كنت - ومنذ حداثة سنّي - مُغرَماً بملاحقة أبعاد "الأطياف الدِلالية" للكلمات والألفاظ وماترسمه على مساحات بصائرنا من انعكاسات ماتلبث أن تتفاعل مع معارفنا التراكمية وقِيَمِنا المُختَزَنة. وهكذا وجدت نفسي غير مرّة أقف أمام لفظة "استثمار" وقفة المتأمل؛ متفحصاً ماتحمله من بَريقٍ متعدد الأطياف، وقفزت بي "الدِلالةُ الحَرَكيّة" إلى تصورِ طلبِ الزارع لوفير الثمر بعد العمل والعناية المخلصة بالشجر، شعرت حينها بنشوةٍ عارمة وأنا أتخيل مختلف أنواع الثمار التي وهبنا الخالق إياها نتيجة للتعاوننا المُخلِص في العمل؛ كلّ في المجال الذي ارتأى العمل فيه، لكنّ بصيرتي مالبثت أنْ قَفَزَتْ بي إلى مفاهيم استثمار الوقت واستثمار المكان واستثمار الطاقات بأنواعها واستثمار المعرفة واستثمار الأموال...، وتذكرت كيف وُضِعَتْ المعايير الحضارية تاني رسمت الأطر السليمة لِسُبُل ترشيد تلك الاستثمارات وتحويلها من مفهوم فردي "أناني" يسعى إلى الربح الفردي على حساب المجموع إلى مفهومٍ "جمعي" يحقق العائد والفائدة للمجتمع بأسره؛ في ظلِّ قوانين ومعايير تُرَشِّدُ ذلك المفهوم الحضاري السامي وتجعله مفهوماً إنسانياً مُنَزَّهاً عن النَزعَةِ التكسّبية "الافتراسية".

     حينما وصل بي التصور إلى هذه النقطة عاودتني النشوة ثانية وأنا أتخيل المنافع "الجماعية" التي لابد أن تعود على اقتصادنا الوطني كحصاد للتعاون الواعد المشترك الذي بشرت به كلّ الملامح البادرات الاستثمارية التي نبتت في نتربة وطننا الحبيب؛ لكنّ تلك النشوة مالبثت أن خبت من جديد حينما لمعت في ذاكرتي صور شاذة من النشاطات التي  باتت تحسب في عِداد أنشطة "الاستثمار" المحقق للمنفعة؛ في حين أنّ حقيقتها لا تعدو أن تكون احتيالاً على القوانين والأنظمة والقيم وتدليساً على الناس بهدف تحقيق منافع فردية عبر أساليب لا تخلو من الخداع وانتحال الصفات العلمية بشكل يشوّه المفهوم الراقي للاستثمار عبر مسلكين ربما لايفطن المتورطون فيهما إلى تحريم الشرائع السماوية أولاً والقوانين ثانياً للإقدام عليهما. المسلك الأول: هو قيام بعض المجازين أو المجازات في مجالات الطب المخبري بتأجير الشهادة العلمية التي كانت حصيلة دراسة سنوات مضنية؛ وذلك لمستثمر مالي بمبلغ شهري مُحَدَّد يتفق عليه الطرفان "المتعاقدان سرّاً"؛ حيث يقوم المستثمر بافتتاح مختبر للتحاليل الطبية يقوم بتشغيله بالاعتماد على فئة من "فنيي المختبر" من خريجي المعاهد المتوسطة مستفيداً من الترخيص الممنوح على اسم الطبيب المؤجر لشهادته والذي ربما يضطر إلى التواجد "الصوري" في المختبر بين مدة وأخرى وكلما دعت الضرورات "التفتيشية " للِّجان المختصّة. وهذا يعني أنّ فني المختبر بات يقوم مقام الطبيب المختص بالعمل وهو أمر بالغ الخطورة والضرر على المجتمع وعلى شرف المهنة.

     أما المسلك الثاني فهو تأجير شهادة الصيدلة وأيضاً لمستثمر، بحيث يتمكن من افتتاح صيدلية أو عدة صيدليات يقوم بتشغيلها بواسطة عاملين مُدَرَّبين يجيدون قراءة الوصفات الطبية ، وبذلك تتحول مهنة الصيدلة على أيديهم إلى مجرد عمل تجاري في مجال تجارة الأدوية، وقد سمعنا وقرأنا الكثير عن الأخطاء التي يمكن أن تحدث جرّاء ذلك؛ وعن حالات قيام تلك الصيدليات ببيع الأدوية المحصور بيعها بوصفة كالأدوية النفسية والمهدئة والمخدرة...

      مشكلتان في مشكلة واحدة: "تأجير العلم بدلاً من تثميره". وربما يتهاون المتورط في هذا الخطأ بسمعته وشرف المهنة العلمية التي أقسم من أجلها أغلظ الأَيمان؛ إما نتيجة عدم امتلاكه للقدرة المالية لافتتاح المختبر أو الصيدلية وعدم توفر المستثمر الداعم "الشريك"؛ أو لكون حائز أو حائزة الشهادة غير جاهز للعمل بشهادته في ظروف معينة؛ ناسياً أو متناسياً فداحة هذا الخطأ ومدى تحريمة أولاً وعدم قانونيته ثانياً. وربما استفحل الأمر مع عقم وتخلف القوانين الناظمة لذلك وعدم كفاية الغرامات والعقوبات لتحقيق الردع؛ بل وفشل أو تساهل وربما تواطؤ اللجان الرقابية المكلفة قانوناً في كلّ من مديريات الصحة ونقابة الأطباء ...*

‏الثلاثاء‏، 19‏ أيار‏، 2009

 



أضف تعليقا