واحة الأدب

مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//

أطفالنا واللَعِب

أطفالنا واللَعِب

http://www.husamdeen.jeeran.com//

http://www.husamdeen2.jeeran.com//

husamdeen@hotmail.com

husamdeen@mail2syria.com

husamdeen@maktoob.com

محمد حسام الدين دويدري

 جوّال  095278048

     حرّكت كفي في سرعة خاطفة؛ وبفعلٍ انعكاسي لاشعوري؛ محاولاً كبح تنفسي وأنا أصعد درج أحد الأبنية قاصداً زيارة أحد الأصدقاء. كانت رائحة المكان كريهة في غاية السوء؛ حتى أنني خِلْتُهُ مُنفتِحاً على واحد من أسوأ أصناف أسيقة الصرف الصحي. تحاملت على نفسي وقفزت مسرعاً في صعودي على أصابع قدميَّ وكأنني ابن العشرين؛ لأفاجأ بطفلين كانا يتحركان بصمت وحذر أمام باب إحدى الشقق حيث قاما بوضع شيء ما في المكان؛ ثم ضرب أحدهما بقدمه على ذلك الشيء محدثاً صوتاً انفجارياً؛ ثمَّ هربا وهما يتضاحكان دون أن يأبها لوجودي؛ فيما تزايد انبعاث الرائحة الكريهة بشدّة. تابعت طريقي وأنا أنظر في ذلك الشيء؛ فأدركت أنه عبارة عن مُغلّفٍ صناعيٍّ فيه سائل كيميائي يُصدِر تلك الرائحة؛ وأنّ الطفلين يمارسان نوعاً من العبث الشقي المفرط في الانحراف عن السلوك التربوي السليم. وتذكرت أنني منذ مدّة شاهدت أيضاً عُصبَةً من الأطفال وكان كلُّ واحدٍ منهم يمسك بلعبةٍ مُصَنَّعةٍ على هيئة بندقية فيها قِطَعٌ بلاستيكية صغيرة تشابه "الخرز"، وكان كلٌّ منهم يقف في زاويةٍ من الشارع ليُطلِقَ من تلك المقذوفات الصغيرة على المارّة الذين لم يكونوا لحظتها يتورعون عن شتمهم وشتم من ربّاهم؛ أما الأولاد فكانوا يطلقون ضحكاتِهم "الخبيثة" وهم يهربون من مكان إلى آخر...

     لاشكّ في أنهما مشهدان شاذان في عِداد مشاهدَ كثيرةٍ باتت تتكرر في واقعنا الاجتماعي المعاصر بشكلٍ يثير القلق حول مستقبل أفرادٍ من جيل قادم يندفعون في الاتجاه السلبي المنحدِر؛ في ظلّ غياب الرقابة التربوية ومكابح التوجيه السليم سواء من قبل الأهل أم من قبل الجهات المعنية التي تسمح باستيراد مثل تلك الألعاب المحرضة للانحراف والعنف وسوء الأخلاق...!.

     وبالطبع فإنه لايمكن لأي إنسان أن يُنكِرَ على الأطفال حقهم في اللعب وحاجتهم إليه، فاللعب كما يُعَرِّفه الخبراء التربويون نشاط "فِطري" يقوم به الأطفال لتحقيق المُتعة والتسلية؛ لكنه حينما يكون موجَّهاً توجيهاً سليماً فإنه يعمل على تنمية شخصياتهم بأبعادها المختلفة (الجسمية والعقلية والوجدانية)؛ أي أنّه يلعب دوراً فاعلاً في توجيه سلوكهم. ذلك لأنّ اللعب هو في حدِّ ذاته نوعٌ من استغلال طاقات الفرد الجسمية والذهنية لإشباع النفس بالمتعة وإغنائها بالخبرة والمعرفة؛ وبالتالي فإنه ليس مجرّد إشغال للذات وتمضية الوقت؛ بل تنمية للطاقات والخبرات والمعارف التراكمية المكتسبة بشكل يساهم في تحقيق النماء العقلي وتطوير مهارات الذكاء. فاللعب إذاً مرتبط ٌ بالتربية ارتباطاً وثيقاً لكونه إحدى وسائلها في إعداد الفرد للعمل المستقبلي الجدّي. ولاشكّ أيضاً في أنّ أنشطة اللعب تختلف من حيث الشكل والمضمون والطريقة تبعاً لمستويات نمو الطفل في المراحل العمرية  وتبعاً للظروف الاجتماعية والثقافية التي يعيشها. ويرى علماء التربية أنّ اللعب التلقائي غير الموجه يفسح المجال لتنشيط النزوع التدميرية لدى الطفل نتيجة لنقص الاتزان الحسي الحركي لديه، كما ينبغي أن لا يغيب عنا أنّ البنية الاجتماعية المعاصرة في البيوت الطابقية الضيقة تحدّ من حركة الطفل  وبالتالي من نشاطه وتدفعه إلى معاندة الأهل والخروج إلى الشوارع بدافع غريزي في سعي لاشعوري نحوالاستجابة لوظائف الجسم الحركية والانفعالية والعقلية؛ وبالتالي الاجتماعية.

      ومن هنا تتَّضح أهمية دورنا كآباء ومربين؛ وتتضح أيضاً خطورة تقصيرنا في توجيه أطفالنا نحو لعب هادف يساهم في تكوين سليم للنظام الأخلاقي المعنوي لشخصياتهم ويزرع فيهم الروح الجماعية التكاملية المبنية على أساس التنظيم والاحترام المتبادل والالتزام. كما تبرز الحاجة إلى قيام الجهات المعنية بإنشاء نوادٍ متخصصة تستقطب الأطفال الساعين وراء إشباع غريزة اللعب بشكل مدروس موجَّهٍ سليم. فالتربية الإنسانية ليست عملية عشوائية عفوية متروكة للصدفة؛ كما يظن بعض الناس، وإنّ الواجب التربوي لايقل أهمية عن واجب الجندي على ثغرٍ من ثغور المعركة الحربية؛ بل هو أخطر بكثير؛ لأنّ بناء الطفل هو بناء لجيل من قادة مستقبل الأمة وبناة حضارتها وحُماة ترابها المقدّس....*

 

‏الا‏ثنين، 4، أيار ‏، 2009

 

 

 



أضف تعليقا