عفواً نيسان....!
http://www.husamdeen.jeeran.com//
http://www.husamdeen2.jeeran.com//
husamdeen@hotmail.com
husamdeen@mail2syria.com
husamdeen@maktoob.com
محمد حسام الدين دويدري
لطالما رأيت في نيسان نبض الحياة النشط، فمع إطلالته الدافئة الحانية يبدأ كلّ مافيها بالعودة إلى حالة النشاط بعد ركودٍ فرضته برودةُ الشتاءِ القارس. ومع أولى خيوط الفجر تبدأ العصافيرُ بإرسال نشيدها الشجي وهي تُسَبِّحُ بحمد خالقها قُبَيلَ مغادرتها لِوُكُناتِها طلباً للرزق، حتى إذا ارتفع قرصُ الشمس مُرسِلاً دِفئَه في المساحات؛ عَكَسَت الخضرةُ الزاهية بَهجتهَا في النفوس؛ تغريها باقتناص فُسحةٍ من الزمن تُطَهِّرها من الرتابة وتغسل عنها صدأ الأيام اللاهثة. وفي واحدٍ من تلك الصباحات الجميلةِ البهية وجدتُ بصري مشدوداً بقوّةٍ إلى قبائل "شقائق النعمان" المنتشرة بين الخضرة بلونها الأحمر القاني؛ فعلى الرغم من عشقي للون الأخضر وتعلُّقي به؛ وجدت تلك الزُهَيرات تسلب كلَّ اهتمامي. لكأنها تذكّرنا بدماء من جادوا بأرواحهم كي ننعم بما نحن فيه من حرّيةٍ وأمنٍ ومُتعةٍ وأملٍ على أرض هذا الوطن الغاليٍ. ووجدت خيالي يُحَلِّق بي بعيداً في زمنٍ لم أَعِشْ ضَنْكَهُ وَعَنَتَهُ؛ إلا في الخيال من خلال بعض الصور المَروِيَّةِ أو التي نقلتها بطون الكتب واللقطات "التلفزيونية" التمثيلية المُنَمَّقة التي مهما اجتهد مبدعوها فإنهم لن يُفلِحوا تماماً في نقل وتصوير كلِّ أبعاد معاناة أجدادنا وصور كفاحهم من أجل الخلاص من المستعمر وتحرير الأرض وضمان مستقبل الأجيال.
هكذا أمضيت بعض الوقت في حضرةِ نيسان؛ فيما كانت ذاكرتي تتقافز بين الماضي والحاضر تحت وطأة المزيد من الأسئلة القاسية المُرَّة. فإن هي إلا سويعات مضت حتى وجدت نفسي بعدها مُجَدَّداً في أحد شوارع المدينة أُجيل طرفي هنا وهناك مُتفحِّصاً، وبينما كنت أسائل نفسي عن مدى إخلاصنا في المحافظة على جمال الوطن ونظافته ونقاء بيئته كما أمرنا الله تعالى واقتداءً بماقدمه لنا الأجداد؛ صفعت بصيرتي بحدَّة مشاهد وتكوينات واجهات المحلات التجارية التي وجدتُ معظمها يُشََكِّل كُتَلاً غريبةً عن بيئتنا الحضارية وثقافتنا المتوارثة. فقد اعتلت تلك المَحَالّ لوحات ويافطات إعلانية حملت عبارات دالَّة على مُسَمَّيات أجنبية غريبة كلّ الغربة عن ثقافتنا؛ رغم كل التعليمات والجهود المبذولة من قبل الجهات المعنيّة لتمكين لغتنا العربية وخلق البيئة السليمة التي تساعد على التمسّك بهويتنا ومقاومة كلّ أشكال الغزو الثقافي وما ينتج عنه من "تلوث لغوي" يساهم إلى حدٍّ كبير في الترويج للنماذج المستوردة ويلعب دوراً حاسماً في ترسيخ ضعف الثقة بالذات والإحساس بالدونية. ووجدت نفسي أيضاً أطيل النظر في بعض الألبسة المعروضة وخاصة ألبسة الأطفال؛ وكذلك حقائبهم وأدواتهم التي لوَّثتها وشوَّهتها الكتابات الأجنبية الخاوية من أي معنى أو التي تشير إلى رموز كرتونية خيالية شرسة بعيدة كل البعد عن الواقع وعن بيئتنا؛ وربما تشير إلى أبطال مسلسلات تطمس براءة الأطفال ولا تمتُّ إلى حاضرنا بأدنى صلة...









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية