واحة الأدب

مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//

بين السيّئ والأسوأ

بين السيئ والأسوأ...!

http://www.husamdeen.jeeran.com//

http://www.husamdeen2.jeeran.com//

husamdeen@hotmail.com

husamdeen@mail2syria.com

husamdeen@maktoob.com

محمد حسام الدين دويدري

 جوّال  095278048

كثيراً ماكنت أقف مدهوشاً أمام تلك العبارة التي التصقت بذاكرتي منذ سمعتها في إحدى المحاضرات الثقافية التي كان قد ألقاها القانوني الكبير الراحل "الدكتور محمد الفاضل": "ليس من الإنصاف على الإطلاق المقارنة بين القواعد القانونية والقيم الأخلاقية، إذ ليس بالضرورة أن يكون القانون أخلاقياً...". كان – رحمه الله – يستشهد على رأيه ذلك بكثير من الأمثلة كالنقتدم والاستملاك وانعدام الحق في إخلاء المؤجر...، ولطالما أثارت تلك العبارة في نفسي التساؤلات عن دقة الأهداف والغايات والتصورات التي ترسم للمشرّع طرق تصميم بنود القوانين والتشريعات الوضعية والقرارات الإدارية المحدِّدة لمسارات التفاعل الإداري والاجتماعي؛ وكذلك عن العوائق التي تحول دون وجود أعلى نسبة ممكنة من التطابق أو على الأقل التقارب بين القواعد القانونية والقيم الأخلاقية.

     وقد وجدت تلك التساؤلات تستيقظ في ذاكرتي من جديد وأنا أستمع إلى حديثٍ دار أمامي بين مُدَرّسَين يعملان - كما بدا لي - في الثانويات العامة. كان كلّ واحد منهما يشرح لزميله ما حدث معه أثناء تحقيق رقابي أومساءلة إدارية استُدعيا إليها بسبب قيامهما بالتدريس الإضافي  في المعاهد الخاصة خارج أوقات التزامهما الرسمي في المدارس العامّة؛ لكون هذا العمل الإضافي يُشَكِّلُ مخالفة صريحةً للقوانين والأنظمةالمرعية التي تحظّر على موظف القطاع العام العمل لدى أي جهة أخرى. وكان مما أثار في نفسي الرغبة بالابتسام ماسمعته من قول أحدهما للآخر: "أنا أسعى لتحرّي الحلال في رزقي ولست مستعداً للعمل كبائع خضار متجوّل ولا حتى كسائق تكسي يلتقط الرزق من شوارع المدينة كي يطعم العيال لقمة الحلال...". ولست أُنكِر على الإطلاق أنني مقتنع تماماً بأنه من الخطأ أن يملأ أحدنا كل حياته بالعمل المتواصل فيعمل في أكثر من جهة. وقد جاء هذا الاقتناع انطلاقاً من مبدأين أساسيين: أولهما أنه من حقنا كبشر أن نترك لأنفسنا فسحة من الوقت نتمتع بها بالعيش الهادئ مع أُسَرِنا؛ ونمارس دورنا في توجيه أبنائنا التوجيه السليم الذي ينير لهم طريق المستقبل كي يكونوا قادرين على ممارسة دورهم في بناء حياة كريمة؛ بل ونصل ما انقطع من علاقات وصِلات اجتماعية تُحَقِّقُ التقارب الحميمي بين الأقارب والأصدقاء. أما المبدأ الثاني: فيستند إلى كون التفرغ لعمل واحد يُجدد النشاط ويوجّه الجهود؛ وبالتالي يخلق لذلك العمل البيئة السليمة لتحقيق الإبداع وزيادة فرص الابتكار.

     أجل ... أنا مقتنع بذلك كلّه؛ لكنني؛ ومع هذا الواقع المادّي المتردي والمحقق لانهيار التناسب بين الأسعار والأجور؛ أجد نفسي مضطراً لوضع اقتناعي هذا في الثلاجة مع كل ما أرنكز عليه من قناعة ومنطق؛ والتسليم بازدواجية العمل تماشياً مع الرأي القائل باختيار "أقل الضررين" أو بالأحرى الاختيار بين السيّء والأسوأ؛ إذ أنّ اللجوء إلى العمل الآخر الشريف أصوب وأفضل بكثير من الانزلاق الخاسر في مهاوي الفساد والرشوة والإثراء على حساب المصلحة العامة وعلى حساب القيم والمبادئ الأخلاقية والدينية، لأنّ العمل الآخر الشريف مع كل سلبياته عمل متفرِّعٌ من التفكير السليم بإيجاد مخرج داعم للحياة الكريمة، أما التكسب الفاسد فهو مُنزَلَقٌ خطيرٌ يُحَوِّلُ النفسَ البشرية عن مسارها الإنساني فيصيبها بالأنانية المَقيتة والجشع البغيض ويقتل فيها كل بذور الخير فتعمى بصيرتها وتحتجب عن قلبها كلّ مسالك محبة الوطن لتتحوّل تلك النفس إلى عضو مريض غريب وعنصر هدم وتخريب يستوجب البتر والاستئصال...*  

 ‏الثلاثاء‏، 31‏ آذار‏، 2009

 



أضف تعليقا