عاشق الوطن
http://www.husamdeen.jeeran.com//
http://www.husamdeen2.jeeran.com//
husamdeen@hotmail.com
husamdeen@mail2syria.com
husamdeen@maktoob.com
محمد حسام الدين دويدري
كانت تلك الليلةُ ليلةَ وفاء بالفعل؛ ليس فقط لذكرى المبدع الراحل "شاكر بريخان"؛ بل للوطن الذي عشقه فألهمه ذلك العشق أجملَ الكلمات وأعذبَ الألحان. في تلك الليلة التي ائتلفت فيها باقةٌ من الفنانين على مسرح دار الثقافة بحلب منذ أيام؛ أحسست - وأنا أستمع إلى ثُلّة منهخم ينشدون بصوت واحد: "شآم أنت الحرّة الوفية" - أحسست أنني أقف أمام قلعة شامخة تحكي لنا قصة عطاء ثري أجتهد فناننا الراحل في إبداعه بصمت وإخلاص عبر مسيرة حياته كاتباً للأغنية وملحناً ومعدّاً للبرامج ومخرجاً؛ بل وممثلاً أحياناً. في تلك الليلة الشذيّة لم يبرح طيفه ذاكرتي التي طالما عادت بي إلى منتصف سبعينات القرن الماضي حين تعرفت إليه عن قرب أول مرّة؛ فربطتني به صداقة ومحبّة؛ وحضرت معه عمله أثناء تسجيل عدّة حلقات من برنامجه الإذاعي "إذاعة الساعة"، فكان مما زاد إعجابي به مالمسته فيه من هدوء وتواضع وأخلاق كريمة سمحة ومحبة لكل من حوله. مازلت أذكر مالمست فيه من نشاط وإخلاص لعمله يوم دعاني في حلب لحضور مسرحية "غربة" وما سبقتها من تحضيرات على مسرح نقابة الفنانين. بل ما زلت أذكر أيضاً ذلك العنفوان الذي طالما كان يملؤني منذ صغري كلما استمعت إلى رائعته التي اشتهرت في تلك الأيام: " بترول العرب للعرب" وإلى تلك الأغنية التي ألهبت الحماس في قلوب الجماهير "رصّوا الصفوف". وأذكر فيما أذكر أنني كنت واحداً من شبان كثيرين ردَّدُوا رائعته "الفدائية" التي حرّكت أفئدة الأمهات حينما شدا بها الفنان الراحل مصطفى نصري في الفترة التي نشطت فيها الأعمال الفدائية في الأراضي المحتلة...، ويا لتلك الألحان الخالدة التي بتنا نفتقد سماعها في هذه الأيام وسط زحام النتاج الفني الصاخب ذي المستوى الهابط الذي باتت تقذفه في وجوهنا مختلف الإذاعات والقنوات الفضائية المتورِّطة في ممارسة الدور السلبي الفاعل في تلويث البيئة الفنية والذوق الجماعي للأجيال الشابة التي لم تعش زمن ازدهار الأغنية الوطنية والفن الملتزم فاتُّهِمت زوراً وبهتاناً بأنها هي من يطلب الإسفاف ومبتذل الكلام مع أننا نجدها أكثر تتفاعلاً مع الفن الراقي حينما يعرض عليها في المناسيات الطارئة...
أجل...، كانت ليلة للفن الملتزم والأغنية الوطنية؛ عرض المشاركون خلالها مختارات من نتاج الفنان الراحل الذي حفل تاريخه بعطاء رصين امتاز بنكهة شعبية أصيلة كانت تجعله أقرب إلى القلوب. وكان الحضور الذي غصّت به القاعة شيباً وشباناً خيرَ منصت ومتفاعل، حتى ليكاد يخيّل لكلّ من حضر أن الأعمال المقدّمة هي أعمال حديثة معاصرة لم يمض على تأليفها زمن طويل. ولعلّ في هذا خير ردٍّ على كل المروِّجين للفن الرخيص؛ الذين مالبثوا يشوهون رسالة الفن الحضارية ويسعون إلى تحويله إلى مجرد وسيلة للّهو وللتكسّب متهمين جمهور المتلقين بالإسفاف والابتذال؛ وبالتالي متسببين في زجه في بؤر السعي إلى تخدير العقول وإبقائها في المساحات الهامشية ذاهلة عن مجريات الواقع وتفاعلاته.
رحم الله ابن حلب المبدع "شاكر بريخان" الذي عاش حياته منتجاً واعياً مُتَّقِدَ الحس عاشقاً للوطن مخلصاً لأهله ولترابه الحاني الذي احتضنه بعد مسيرة حافلة بالعطاء...*
الإثنين، 23 آذار، 2009









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية