النبي الإنسان
http://www.husamdeen.jeeran.com//
http://www.husamdeen2.jeeran.com//
husamdeen@hotmail.com
husamdeen@mail2syria.com
husamdeen@maktoob.com
محمد حسام الدين دويدري
على الرغم من تطلعي الدائب إلى المستقبل الآتي؛ فإنني ما أزال متمسكاً وإلى حدٍّ كبير باعتقادي أننا - وفي مسيرة هذه الحياة اللاهية اللاهثة الصاخبة - بحاجة مستمرّة ماسّة إلى توهج الذكرى في بصائرنا كي نعيد شحن نفوسنا بما تحتاجه من مؤشرات هادية ترشدنا إلى معالم الطريق السوي بما تنيره فيها من قيم تساعدها على التمسك ببصماتها وسماتها الحضارية في مواجهة تيارات "النمذجة" والإذابة المباشرة وغير المباشرة التي تحيط بنا والتي استطاعت إلى حدّ كبير التأثير في تغيير بعض الملامح السليمة في الشخصية العربية والإسلامية عبر زمن اشتدَّتْ وطأةُ تأثيره في الآونة الأخيرة مع تسارع التطور الإعلامي والعزو الفوضوي للأسر من قبل الفضائيات المتكاثرة التي بدأت منذ زمن تطرح فكرة "تغير القيم " بدعوى ملاءمة العصر ومواكبة التطور؛ متناسية أنّ للإنسانية رصيداً ثابتاً من القيم الثوابت اللصيقة بتكوينها الإنساني السوي الذي يميز النفس البشرية عن بقية الكائنات الحية ويكسبها صفة الرقي فينزهها عن مجرد السلوك الحيواني الغرائزي؛ وبالتالي فإنّ أي تغيير في جوهر هذا الرصيد سوف يحدث بلاشك خللاً واضحاً في الشخصية الإنسانية وبالتالي في المجتمع؛ لتبدأ الأمراض الاجتماعية بالتكاثر ويكثر التناقض والتناحر فتنتشر النزاعات والجرائم والانحرافات السلوكية بشكل يثير القلق...
ومن خلال هذه الرؤية أمضيت أياماً خلت في ظلال ذكرى مولد رسول الرحمة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وأنا أبحث في صفاته الإنسانية ونهجه الحياتي الذي جعله خير قدوة للبشرية وخير مثال جمع مكارم الأخلاق فاستحق قول الله تعالى: "وإنّك لعلى خلق عظيم". وبصرف النظر عن الرأي السائد لدى كثيرين بأنّ الاحتفاء بذكرى المولد النبوي بدعة باطلة؛ فإنني أرى في هذه الذكرى فرصة؛ لا لمجرّد الاحتفال المُبهِج ولا لممارسة احتفالات أو طقوس محدّدة ذات طابع ديني؛ بل كي يحاول كلٌّ منا محاكمة سلوكه وتصرفاته الشخصية مقارنة بما يجتهد في معرفته عن جوهر السلوك القويم الذي عاشه وأراده لنا عليه الصلاة والسلام. فقد تميزت شخصية النبي الكريم بالرقي الحضاري والأخلاقي في كلّ مستويات التعامل الإنساني سواء كان ذلك مع أصحابه ورعيته أم مع نسائه أم مع أبنائه وأحفاده؛ فكان رحيماً باسماً سمحاً كريماً، وكان عفوّاً متسامحاً، يحب الحق والعدل ويحكم به؛ بل ويحذّر من التعدِّي على الحقوق وأكل الأموال بالباطل، ومن ذلك ماروي عنه عندما جاءه رجلان من الأنصار يختصمان في مواريث؛ وليست بينهما بيّنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إنكم تختصمون إلي؛ وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما ما أقضي بينكم على نحو مما أسمع منكم، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي به إسطاما في عنقه يوم القيامة"، فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما": حقي لأخي يا رسول الله"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أما إذ فعلتما فاذهبا فاقسما وتوخيا الحق ثم ليُحلِلْ كلُّ واحدٍ منكما صاحبه". ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجامل أحداً لجاهه أوماله أو نسبه؛ بل كان يقول كلمة الحق الصادقة دون محاباة ولا تملق. وقد عرف بصدقه وبأمانته وحرصه على الأمانة والحث عليها. كما عرف برقة قلبه وعطفه على الصغير والكبير والرأفة حتى بالحيوان والنبات...
وحينما تعبر هذه الصفات الراقية بصيرتي فإنني كثيراً ماتنتابني الحسرات وأنا أتذكر مايراه أحدنا في "قصر العدل" من تزاحم وتناقض المتخاصمين؛ ومايمكن أن يلجأ إليه بعضهم من حيل ومسالك ملتوية لتحريف الحق...، بل حينما أتذكر مانقرأ وما نسمع من أنباء جرائم وانحرافات يتكاثر حدوثها في المجتمع. فما أحوجنا اليوم إلى استحضار ذكر هذه الملامح النقية والتأسيس لتررسيخها في حياتنا اليومية عسى أن نُحسِنَ تطبيقها لتكون الحل الناجع لكل مشكلاتنا التي نسعى إلى الخلاص منها...!*
الثلاثاء، 010 آذار، 2009









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية