البيوت أسرار
http://www.husamdeen.jeeran.com//
http://www.husamdeen2.jeeran.com//
husamdeen@hotmail.com
husamdeen@mail2syria.com
husamdeen@maktoob.com
محمد حسام الدين دويدري
منذ أيام؛ وبينما كنت أتابع مسيري في أحد شوارع المدينة؛ استوقفني رجل متقدم في السن ذو هيبة ووقار؛ فأشار إليّ بجريدة كانت مطوية في يده قائلاً بلهجة المعاتب: "لست أُنكِر إعجابي بما كنت قد قرأته لك عن العناية بالبشر قبل الحجر؛ لكنني أجدك في كلّ مرة تطرح سؤالاً وتنصرف سريعاً كضربة سوط، فأشعر أن الموضوع ناقصٌ وبحاجةٍ إلى متابعة؛ ليس من الناحية النظرية؛ بل من الناحية العملية ومطابقة الأفكار النظرية المطروحة بما يجري في واقع الناس". استحضرت ابتسامة قسرية باهتة أقابل بها وجهه المشرق باابتسامة لم تكن نفارق ثغره؛ وقلت: حياك الله يا حاجّ؛ وبارك لك في عمرك وفكرك، ولا تعجل عليّ فحسبي ني أشير إلى أمور أراها في عجالة محدودة. قال:"سوف أدلّك على موضوعٍ تكتبه من الواقع، فقد لفت انتباهي رجل عاجز تأتي به سيارة كل يوم لنضعه في مكان قريب من دائرة السياحة بحلب ليبقى في المنطقة متسولاً طيلة النهار حتى تعود السيارة ثانية لتأخذه فيبيت ليلته ثم تعود به في اليوم التالي... وهكذا. أنا معك أنّ مثل هذه الظاهرة ربما تتكرر في أكثر من موقع وعلى صور متعددة وكتب عنها الكثير؛ لكنني أجد وراء هذه الصور أسراراً لايمكن كشفها في كل ما تجريه وزارة الشؤون الاجتماعية من مسوح تعلن عن أهدافها النبيلة ونشك في منهج تحقيقها، فالبيوت يابنيّ أسرار...، وإنك لو دققت في الأحياء فستجد أسراً كثيرة أدمن أفرادها الفقر كباراً وصغاراً حتى جعلوه مهنة تدفعهم نحو الانتشار في أحياء وشوارع المدينة يمارسون فيها أصنافاً مبتكرة من التسول، فهم إما يطرقون الأبواب بشكل تقليدي أويقفون على شارات المرور فيمسحون زجاج السيارات العابرة بمافي أيديهم من خرق خَلِثةٍ بالية طلباً لعطاء سائقيها...، في حين سوف تسمع أيضاً عن عائلات لا تجد كفاف يومها؛ لكنها ثرية بعزَّةِ النفس فلا تمد أيديها لغير الله...، ولسوف تسمع أيضاً عن حركة اجتماعية خيرية نَشِطَةٍ تقوم بها مجموعات غير نظامية من ربات البيوت من أحياء متنوعة، حيث يَقُمنَ بجمع الصدقات من معارفِهنّ لتقديمها على شكل مساعدات نقدية أو عينية تشترى خلالها الحاجات الضرورية لتلك الأسر المستورة، وربما يتعدّى الأمر أحياناً ذلك ليشمل كِفالة يتيمٍ ورعايته وتعليمه كي يكون فاعلاً منتجاً في المستقبل...".
مضت نصف ساعة أو يزيد؛ والرجل مايزال يأخذ زمام المبادرة بحديثه الذي استحوذ جُلَّ اهتمامي فأرغمني على الاستماع الجيّد؛ مع أنني كنت في عجلة من أمري. شعرت أنّ أصداء صوته باتت تتردد في أعماقي حتى بعد أن مضى لشأنه؛ فقد تركني بين حزم قديمة متجدِّدة من أفكار طالما كُنتُ قد قَلَّبتُ أبعادها كلما أثارت المشاهد المحيطة في نفسي الرغبة بالحديث عن تنمية المجتمع وسبل حلّ مشكلاته وتطويره؛ إذ لطالما كنت أفترض في وزارة الشؤون الاجتماعية والمؤسسات النابضة في ظلها أن تكون من أهم الوزارات على الإطلاق لكونها تعنى بالإنسان باعتباره أول ركائز ومنطلقات الإنتاج والبناء. ولست أكتمكم قإنّ أوّل ما ألحّ على تفكيري في تلك اللحظات كان ناتجاً عن إرهاصات ما وصل إلى علمي في الآونة الأخيرة من مختلف وسائل الإعلام عن نتائج وأحداث المنهج الذي اتُّبِعَ في "المسح الاجتماعي" الذي تتابع وزارة الشؤون الاجتماعية القيام به والذي سيستمرّ لغاية شهر نيسان بهدف "بناء قاعدة بيانات صحيحة عن الأسر الأكثر احتياجاً في سورية لوضعها أمام صانعي القرار"، قثد رأيت في ذلك المنهج منهجاً خاظئاً في الممارسة والنتائج، إذ كان من الأسلم العمل على إيجاد فرق عمل متخصصة تقوم بالتوغّل في الأحياء لجمع معلومات أدقّ وأقرب إلى الحقيقة والشمول وبشكل ميداني مباشر وهادئ بالتعاون مع بعض الجهات الرسمية؛ بدلاً من فتح مراكز ثابتة تعاني الازدحام االمتأزّم وتستقطب إليها صيادي الفرص ومروجي الإشاعات وسماسرة الأزمات...*
الثلاثاء، 24 شباط، 2009











26 فبراير, 2009 07:15 م