الصناعة الوطنية وتحديات العصر
http://www.husamdeen.jeeran.com//
http://www.husamdeen2.jeeran.com//
husamdeen@hotmail.com
husamdeen@mail2syria.com
husamdeen@maktoob.com
محمد حسام الدين دويدري
ربما باتت تلك الصورة مألوفةً ومتكررةً في عِدادِ المشاهد اليومية التي ماتزال تفرزها الحضارة "الاستهلاكية" بما تقذفه في أحضاننا كلّ لحظة من أجيال التقانات المتطورة المُبْهِرة. حينما كنت في طريقي لدخول إحدى كليات جامعة حلب منذ أيام شاهدت مجموعة من الطلاب يفترشون جانباً من دَرَجِ المدخل وقد انهمك كلّ منهم بالتفرّس في شاشة هاتفه "الجوال" وهم يتبادلون المقاطع الصوتية والصور باهتمام بالغ. في تلك اللحظة نهض أحدهم من مجلسه وراح يشرح لزملائه ما حَفِيَ به جهازُهُ الخليوي الجديد من ميزات حديثة متطورة دفعته لاستبدال جهازه القديم مضحياً بخسارة آلاف الليرات. تجاوزت ذلك المشهد منصرفاً إلى شؤوني؛ لكنه بات يلح عليّ بين فينة وأخرى طارحاً باقة من التساؤلات: لماذا انحصر جلّ اهتمامنا في الجانب الاستهلاكي من الحضارة المعاصرة بشكل غير متوازن بين الطموح والأهداف؟؛ في حين نجد تلك الشركات العملاقة تفاجئ أجيالنا بكل ماهو جديد لتدفعهم نحو الاستهلاك القسري الآسر...!,. ماهو سر عدم تمكن باحثينا ومفكرينا من الانخراط في ركب الإبداع العلمي..؟؛ مع أننا كثيراً ما نقرأ ونسمع عن مبتكرين ومبدعين عرب أبدعوا في المهجر خارج بيئاتهم الحضارية فسُجِّلَتْ إِبداعاتُهُم نصراً للبيئات التي التصقوا بالحياة فيها.
في اليوم التالي كان لي نصيب حضور مناقشة إحدى رسائل الماجستير في الفيزياء للطالب في كلية العلوم الباحث غياث معراتية، وبالطبع فإنني لست الآن بصدد الحديث العلمي المفصّل حول مضمون تلك الرسالة؛ لكنّ مالفت انتباهي في بحثه أمران: أولهما أنّ هذا البحث العلمي كان حصيلة تعاون العلمي والتطبيقي الوثيق بين جامعة حلب وجامعة البعث، وهذا مؤشر إيجابي رائع؛ بالإضافة إلى تمكُّنِ الدكتور منير الحامض الأستاذ المشرف على البحث من استحضار بعض المتطلبات البحثية أثناء زيارة علمية له إلى إحدى الجامعات الفرنسية؛ أما الأمر الثاني والمهم الذي استوقفني أيضاً فهو تمحور ذلك البحث حول تصنيع أفلام رقيقة شفافة من " أوكسيد التنغستن" تمنع نفاذ أشعة الشمس ويتغير لونها الأزرق الشفاف لتصبح عديمة اللون نبيجة لتغيّر قرينة كسرها للأشعة عند تطبيق تيار كهربائي بسيط في حدود 2 فولت عليها؛ وهذا ما يسمح بالاعتماد عليها في تصنيع نوع من الزجاج يمكن الاستفادة منه في عزل الحرارة صيفاً وإيجاد حلّ معماري للأبنية ذات الواجهات الزجاجية الكبيرة. وقد ذكرني هذا البحث بما كنت قد قرأته عن تمكن باحثين بريطانيين آخرين من تطوير نوع من الزجاج العازل للحرارة دون أن يمنع نفاذ الضوء وذلك بإضافة "ثاني أكسيد الفاناديوم" وعنصر"التنغستن" أيضاً بحيث اكتسب هذا الزجاج الناتج قدرة على منع نفاذ الأشعة تحت الحمراء عند وصوله إلى درجة حرارة 29ْ مئوية دون أن يمنع نفاذ الضوء العادي؛ مما قد يغني عن الستائر ويحقق وفرة في التكييف.
ولعلي أخلص من كلّ ما سردت في هذا الحديث إلى سؤال هام؛ لاشكّ في أنه بات أكثر إلحاحاً ونحن على أبواب مرحلة اقتصادية جديدة سوف تحمل إلينا المزيد من التحديات مع دخول اتفاقية الشراكة الأوربية قريباً حيز التطبيق العملي: هل ثمّة دور هام للبحث العلمي وخاصّة الجامعي في تطوير الصناعات الوطنية؛ بل وفي حل المشكلات الفنية التي تعترض سبل ذلك التطوير؟، وما هي السبل الممكنة لتحويل البحث العلمي من مجرّد أبحاث ونتائج كُتِبَ عليها أنْ تُسجَن منذ ولادتها في مؤلفات وأطروحات محدودة الانتشار على رفوف المكتبات دون تحويلها إلى تطبيقات عملية يمكن أن تدر الكثير من الأموال والفافائدة على الصناعات والاقتصاد الوطني. فمما لاشكّ فيه أنّ هذا التطوير المستمر للتقانات المستوردة ليس إلا حصيلة بحث علمي دائب يقوم به باحثون جادّون لصالح تلك الشركات التي غدت عملاقة بفضل تلك الأبحاث، وهذا يعني أنّ علينا أن نفتش عن تلك الحلقات المفقودة بين البحث العلمي العربي وبين الشركات الاقتصادية العربية التي ماتزال على مايبدو حتى الآن تحصر اهتماماتها في المجالات الاستهلاكية الهامشية التي تدر الأرباح السريعة على مالكيها دون التفكير بالخوض في تحديات العصر على الرغم من توفر الطاقات والأموال المؤهلة للقفز إلى ركب السائرين في مسيرة التطور التكنولوجي...*
الثلاثاء، 17 شباط، 2009











18 فبراير, 2009 07:19 م