واحة الأدب

مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//

البشر قبل الحجر

البشر قبل الحجر

http://www.husamdeen.jeeran.com//

http://www.husamdeen2.jeeran.com//

husamdeen@hotmail.com

husamdeen@mail2syria.com

husamdeen@maktoob.com

محمد حسام الدين دويدري

 جوّال  095278048

ربما يشعر أحدنا أحياناً بتوهّج قدرة ذهنية عجيبة تتمكن بصيرتُهُ خلالها من استحضار كثير من الصور المُختَزَنَةِ في أعماق الذاكرة؛ فيما تتابع حواسُّهُ الأخرى تفاعلَها في مسار التواصل مع حديث مشحون هو الآخر بصور نابضة تبثها بعناية ذهنية مُحَدِّثٍ حاذق يجيد عرض ما تستحضره ذاكرته من مشاهد تفاعَلَ معها. ففي تلك اللحظات وجدت نفسي رهينة نوع من الصمت "الصاخب" وأنا أتابع عرض م]حَدِّثي لما شاهده في رحلةٍ زار فيها مؤخراً بعض مدن خليجنا العربي. ففي حين كان وصفُه للحضارة العمرانية الباذخة والقصور والأبراج الشامخة والنظافة الشاملة الراسخة يستثير تصوراتي لترحلَ بي إلى حيث الوصف دون طائرة أوجواز سفر؛ كانت ذاكرتي تستحضر على التوازي صوراً كثيرة جَمَعَتها من أحياء حلب؛ وخاصة الأحياء الفقيرة منها. كان الرجل يصف بعناية حالة الحرج التي يعانيها كلّ من تحدثه نفسه بالتخلص من منديل ورقي اختبأ في قبضةِ يدِه؛ حيث لا مكان هناك إلا للنظافة التامة؛ أما الصورة المقابلة التي كانت تتقافز في ذاكرتي فكانت لأرض رخامية لامعة في مكان عام تناثرت عليها أشلاء مهشمة لبقايا إحدى لفافات التبغ بعد أن دهستها قدم راميها. كانت صور العابرين أيضاً تتناوب في بصيرتي بين مايصف صاحبي وما ينبض في مساحات الذاكرة، لكنّ فترة الصمت لم تَدُم طويلاً؛ إذ وجدت نفسي في خضم نقاش مطوّل انصبّ على تشريح الواقع المكوِّنِ لكلا المشهدين المتناقضين. لم أُنكِر عَجَبي وإِعجابي بتلك الأبراج المستوردة المتسامقة في عنان السماء وعلى ارتفاعات ربما تصل أحياناً إلى نحو سبع مئة متراً؛ لكنني طالما كنت أنظر إلى تلك الحضارة الاستهلاكية المُصنَّعة على أنها حضارة مزيَّفة مُنبَتَّةٌ عن جذورها؛ وأنها مُستَنزِفة للموارد والطاقات؛ فلطالما وجدتها غريبة عن بيئتنا الحضارية التي كان من المفترض أن تعنى بتنمية البشر قبل تنمية الحجر انطلاقاً من إدراكنا المتوارث بأنّ الإنسان هو العنصر الأهم في التنمية المستدامة والإنتاج المبتكر؛ ومن هذا المنطلق كانت قراءتي للصورتين المتناقضتين على أنهما موغلتان في البعد عن المنطق التنموي السليم. ففي حين رأيت الصورة الأولى ممعنة في تهميش الطاقات والموارد البشرية بإغراقها المفرط في الملذات وفنون الرفاهية الاستهلاكية وحرفها عن دوافع الإنتاج المحقق لفكرة "الاستخلاف في الأرض"؛ رأيت في الصورة الثانية أيضاً لُهاثَ النفس البشرية وراء الكفاف وما يسد الرمق دون أن تتاحَ لها فُسحةٌ لإعمال الفكر وتحريض العقل على الرقي والابتكار. ورحت أحدِّثُ نفسي متسائلاً في تخيّل حزين هادئ عن النتائج المُبهِرة التي قد يحدثُها التعاون العربي المشترك في مجالات التنمية البشرية فيما لو أفسح له السياسيون المجال كي يتحقق...؟!.

     تركت صاحبي ومضيت إلى مكتبي لتطالعني مجلة "العربي" بافتتاحيتها الجريئة التي وجدت كاتبها "د. سليمان العسكري" يتحدث عن ظاهرة إهمال تنمية البشر والتحيز للحجر في بيئةٍ مُستَنسَخَةٍ سيطر عليها جنون الاستهلاك واحتفت بهدم تراثها لإنشاء نُسخ لمتاحف عالمية بدلاً من الحفاظ على البصمات العربية الإسلامية وعلى شخصية الإنسان العربي وبدلاً من إنشاء أكاديميات متخصصة تدعم هذا المقصد وتحرص على مستقبل الأجيال. 

     لاشك في أنّ المنطق التنموي يتطلب خلق نوع من التوازن في العناية بالبشر والحجر معاً؛ على اعتبار أن العنصر الثاني يشكّل البيئة اللازمة للآخر. فإذا كانت مكونات الصورة الأولى تمعن في العناية بتنميق الحجر ظناً بإنه يحقق إسعاد البشر؛ فإنّه لابد أولاً من حل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي تساعد على تحقيق التوازن المؤسس لمنطق تنموي سليم حيث لا إفراط في ثقافة الحجر ولا تفريط في ثقافة البشر، وهذا التوازن لن يتحقق مالم يرتقي "المتحكمون" بالأمر والمقدّرات إلى مستوى الوعي والحس بالمسؤولية الإنسانية التي تحرص على تحسين الواقع العربي والتأسيس لميتقبل قوي يحمي بصمات الأمة في مواجهة القوى الباغية وعوادي الزمن *

‏الثلاثاء‏، 10‏ شباط‏، 2009

 



أضف تعليقا