بين الألم والأمل
http://www.husamdeen.jeeran.com//
http://www.husamdeen2.jeeran.com//
husamdeen@hotmail.com
محمد حسام الدين دويدري
وقفتُ مليّاً أمام خبرٍ كانت قد تناقلته وكالاتُ الأنباء العربية فأحدث ضجّة عالية الصخَب حول ماقاله الشاعر علي احمد سعيد؛ المعروف باسم "أدونيس"؛ في إحدى محاضراته التي ألقاها منذ مدّة على أرض العراق الجريح؛ والتي كرر فيها تصريحاته المثيرة للجدل قائلاً: "جميع الحضارات الكبرى في التاريخ انقرضت؛ من السومريين الى البابليين والفرعونيين، بمعنى أنّ الطاقة الخلاّقة عندهم قد انتهت، واكتملت دورة الإبداع لديهم، ولذا فإنهم ينقرضون بحيث لم يعد لهم حضور خلاّق في الثقافة الكونية الحديثة ". حينما قرأت هذا القول "المتشظّي" شعرت بالحزن يلسع جبهتي رغم علمي بأنّ هذه لم تكن هي المرّة الأولى التي يهاجِم أدونيس فيها الحضارة العربية؛ مع أنّه يَعُدُّ نفسه جزءاً من تكوينها ويتحدث بلسانها. في تلك الأثناء كنت أحاول إيجاد تفسير منطقي لدوافعه الكامنة وراء مثل هذه التصريحات؛ لكنني مالبثت أن أعدت استقراء مدلولاتِها من جديد في ضوء ما يعايشه وطننا العربي الكبير من أحداث وظروف باتت تنحدر به نحو مُنزَلَقٍ خطيرٍ يكاد يُبعِدُهُ عن حياض الحضارة العربية الموروثة ويسلبه هويته أمام زحف الثقافة الغربية الطاغية التي بتنا أمامها أُسارى نَهَمٍ جامح في الاستهلاك دون أن نُفكّر في النهوض بواقعنا والدخول في معترك الإنتاج بما نملكه من طاقات وثروات أغرت الطامعين وتحولت إلى عنصر تفرقة وتدجين بدلاً من أن نحسن توظيفها ونخلص في ذلك هادفين إلى خلق اقتصاد عربي قويٍّ موحّد يثمر نهضة علمية وسياسية واجتماعية متنامية.
ربما يكون أدونيس واحداً من جموع المُنْبَهِرِين بالحضارة الغربية؛ أو المتخمين من أصناف موائدها العامرة بالمغريات؛ أو من ملايين العرب الذين فقدوا الثقة بأنفسهم وبأمتهم وبالطاقات الكامنة على أرضهم. لكنني أجد في شظايا حديثه المثير نواقيس خطر بات يشتدّ قرعُها صباحَ مساء؛ وأنا أتحسس التراجع الحاد في الثقافة العربية الأصيلة أمام زحف الثقافة الهزيلة: حينما أقرأ الحروف الغربية على صدور وظهور العابرين في الشوارع العربية؛ وحينما أقرأ الأسماء الأجنبية على المحال التجارية؛ وحينما أستمع إلى الموسيقا الهجينة الصاخبة التي باتت تتعالى من نوافذ بيوتنا لتلسع أسماعنا مجدولة بكلمات فارغة تخدش الحياء وتزيد من جهل الجُهَلاء، بدلاً من أن تكون وسيلة لتثقيف النفس وتزكيتها ومنبراً لتقويم اللسان وغرس القيم والفضائل والأمل وحب الوطن.
لاشكّ في أننا اليوم وبكل أسف قد أمسينا نقف على الضفة الأخرى من العالم لنرقب مايرمى إلينا ونلتقطه فرحين بما هو جديد، لكنّ هذا لايعني المضيّ الصاغر في الاستسلام لهذا الواقع واعتباره أمراً واقعاً مفروضاً أو قدراً جبرياً لاخلاص منه؛ وبالتالي الخلود إلى التراخي والتسليم بالانقراض الحضاري، بل علينا أن نعي حقيقة المعادلة الصحيحة؛ وأن ندرك أن تنمية الإحساس الجماعي بالهوية والانتماء وترشيد استثمار الطاقات والإمكانات والثروات لبناء نهضة جماعية شاملة هو المجد الحقيقي المتنامي والممتع؛ وليس البحث عن المُتَع الفردية وبناء مجد شخصي تَسَلُّقي واهِم.
إننا نشعر بالأسى والأسف. وهذه ظاهرة صحّية تدلّ على أننا مازلنا أحياء؛ ولم نَمُتْ أو ننقرضْ، لكنّ هذا الأسف لايجوز أن يتحول إلى حالةٍ من اليأس والقنوط؛ بل يجب أن نجعلَه حافزاً على الأمل المُبصر مستفيدين من دروس التاريخ ومعطيات الحاضر. ويكفي أن نتذكر أنّ أمتنا كانت قد تمكنت بالسلوك المخلص القويم من أن تتحول من مجرد قبائل بدائية متناحرة إلى دولة حضارية لا تغيب عنها الشمس؛ وكل ذلك في زهاء ربع قرن من الزمان؛ وأنّ هذه الأمة ماتزال ثرية قادرة على النهوض حينما يتمكن أبناؤها من إيقاظ إرادتهم ومن استعادة ثقتهم وقدرتهم على الثبات...*
الثلاثاء، 13 تشرين الأول، 2009









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية