واحة الأدب

مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//

إعلانات رمضانية

إعلانات رمضانية

محمد حسام الدين دويدري

     وعاد رمضان من جديد؛ يحمل بين أيامه بذار الأمل. ثمة دفقات رصينة من تفحات قدسية وجدتها تجتاح كياني منذ الأيام الأخيرة لشهر شعبان؛ لتغسل قلبي من صدأ التورّط القسريّ في الصخب، كان الأمل هو الرابط بين تلكم الدفقات المتتابعة، كنت كثيراً ما أجلس على شرفة منزلي أعاقر الصمت الصائت؛ مطيلاً في تعاطي جرعات التحديق في عتمة السماء اللامتناهية وما يدور في أبعادها من أفلاك لامعة؛ مسبّحاً بحمد خالق الكون؛ متضرّعاً أن يكون رمضان غوثاً لقلوبنا التائهة في صخب الحياة وعوناً لكلّ السائرين في ركب الإصلاح. حتى إذا طلع الصباح؛ وجدت هدأتي تغيب في الصخب من جديد؛ ووجدت عباد الله لاهثين وراء المتطلبات المتوالدة. كنت أنظر إلى ركب الأيام القادمة بعين المتأمّل؛ حالماً بأن يكون رمضان هذا موسماً للتذكير وللتفكير ولمراجعة الذات. رغم كل المظاهر المعاندة التي كثيراً ما بتنا نصطدم بها في مثل هذا الموسم من كلّ عام. وكم كانت دهشتي قوية حينما قرأت - بين زخم الإعلانات الكثيرة التي اعتاد أصحاب رؤوس الأموال رشقنا بها - عبارة متضاربة المفاهيم؛ أراد من صاغها إغراء الصائمين بارتياد مطعمه الزاخر بأطايب الطعام على موائد الإفطار والسحور، وكان مما جاء في تلك العبارة: "أركيلتك عنّا، أطيب المأكولات على الإفطار وأحلى السهرات الرمضانية والتسالي حتى السحور...".

     ربما يعارضني البعض في استقرائي لهذه العبارة بحكم الاعتياد؛ غافلين عن مكامن التضارب فيها؛ لكنني وجدت في نفسي إصراراً على رفضها جملة وتفصيلاً، مع أنني لست رافضاً لمبدأ تناول أطايب الطعام على مائدة الإفطار؛ لكنّ الذي يحرّك مشاعر الرفض في ذاتي بقوّة هو ذلك التفريغ الجائر لمغزى الصيام في رمضان كعبادة وكنظام اجتماعي؛ وتحويل هذه المدّة الزمنية من أعمارنا من موسم نوراني لتخليص النفس الإنسانية من كدرها إلى موسم للّهو الضائع، من موسم للحب والتسامح والسخاء والإيثار والاغتسال من الذنوب والآثام إلى موسم من الجشع والأنانية واغتنام الفرص للربح المادي على حساب المبادئ والقيم...، من موسم للالتزام والعمل إلى موسم للخيم الغارقة بمن فيها في التراخي والملاهي والكسل...؛ من موسم للترابط والتراحم والتلاحم والتواصل إلى زمن للتفكك والتزاحم على الأسواق والذوبان في متع الذات...؛ من موسم للعودة إلى اتمسك بالأخلاق والمبادئ والقيم؛ إلى موسم للخروج على القوانين وممارسة الاحتكار والمغالاة في الأسعار...؛ من موسم للتضرع والدعاء والالتجاء إلى الله عسى أن يكشف الغمّة عن هذه الأمة إلى موسم للانكفاء والتمترس أمام الشاشات الصغيرة المتخمة بحشدٍ من المسلسلات التي لاتحمل في الغالب إلينا سوىالضيق والألم ومشاعر الندم على مافرطنا في هدر أزمنة احترقت وترمّدت من أعمارنا كان من المفترض أن نستثمرها في ما هو مفيد...، فرمضان موسم عمل وأمل وليس مرحلة مثخنة بالملل والتقصير والكسل، بل وليس مهرجاناً للطعام والشراب والتباهي بالموائد العامرة وملاهي الليالي الساهرة؛ بل فسحة من الزمن علينا أن نغتنمها في تزكية النفوس وإصلاحها ومراجعة الذات وصلة الأرحام والتراحم والإخلاص في العمل الصالح الذي يعود بالخير على الذات أولاً ثمّ على الوطن وأهله...

     ومع كل التأكيد بأن لا يفهم من رفضي هذا لذلك الإعلان على أنه هجوم على أصحاب المطاعم، فلست أنكر عليهم سعيهم السليم الرصين وراء الرزق الحلال؛ لكنّ ما تنكره نفسي بكلّ ما فيها من دوافع وقيم أن يكون التعسف في ذلك السعي دافعاً للاعتداء على مفهوم الصيام وعلى الغاية من هذه العبادة التي شرعها الخالق سبحانه وتعالى لتزكية النفس وتطهيرها وتنمية الشعور بالترابط الاجتماعي والامتثال لما أمر الله.

‏الاربعاء‏، 03‏ أيلول‏، 2008

 

 



أضف تعليقا