واحة الأدب

مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//

عقول ذكية أم قنابل غبية

عقول ذكية أم قنابل غبية

http://www.husamdeen.jeeran.com//

http://www.husamdeen2.jeeran.com//

husamdeen@hotmail.com

husamdeen@mail2syria.com

husamdeen@maktoob.com

محمد حسام الدين دويدري

 جوّال  095278048

     تُرى..؟؛ هل يحق لكبار الساسة اللاعبين في ساحة القوى الدُوَلية المتصارعة على سيادة هذا العصر أن يتباروا في إطلاق عبارات التباهي بما وصلت إليه البشرية المعاصرة من مظاهر التحضّر...؟!.

     هذا السؤال الاستنكاري كان في مقدّمة أسئلة كثيرة  تزاحمت في بصيرتي فيما كنت أمضي الفترة الفاصلة بين الجلسة الافتتاحية وما تلاها من جلسات علمية انتظمت في إطار "المؤتمر الدُوَلي حول الحماية الدُوَلية للصحفيين أثناء النزاعات المسلَّحة" الذي احتضنته جامعة حلب مؤخراً. في تلك الأثناء وجدت مخيلتي منهمكة في سبر أعماق الزمن في محاولة منها لاستكشاف البعد الشاسع الذي طرأ عبر العصور على مفهوم الحرب وأسبابها وأهدافها ووسائلها، ولا شكّ في أنّ الفكر البشري قد تمكن عبر العصور من تطوير القدرات المساعدة للبشر كي يزيدوا من طاقات الإنسان عبر الوسائل المتطورة التي ابتكرتها العقول سعياً وراء حياة تبدو أكثر رخاءً وأعلى رفاهية؛ لكنّ ذلك كلّه لم يستطع الارتقاء بالنوايا والممارسات على امتداد الزمان نحو الأمن والأمان؛ بل تحوّل تطوّر الفعل البشري مُفرِزاً حزماً مريعة من الآثار السلبية التي يمكن اعتبارها عدواناً شاملاً على الأجيال اللاحقة من الأحياء؛ عبر تخريبٍ متعمّدٍ وغير متعمّد لمظاهر وروافد الحياة باستنزافٍ جائر للموارد وابتكارٍ متغطرسٍ لوسائل التدمير الشامل، بل وحتى بتدخُّلٍ سافرٍ في التركيب الوراثي للأحياء...

     ومع كلّ إقراري بواقعية الصراع بين بني البشر كنتيجة حتمية لاختلاف الرؤى وتضارب المصالح فإنّ صورة الفرسان وما كانوا يتحلون به من سمات أخلاقية كانت هي الأبرز عبر تلك التصوّرات المقارنة، وكنت كثيراً ما أجد تلك الصورة أكثر تحضُراً وإنسانية مما بات يسود هذا العصر من طقوس قتالية همجية؛ فأولئك الفرسان كانوا لا يقتلون من لا يقاتلهم؛ وعلى الرغم مما كان يخالط طقوس الحروب من خداع ومخاتلة فإنها كانت بما لها من قواعد وأساليب أشرف بكثير من حروب اليوم التي بات كبار رجالاتها يتباهون بصواريخهم "البالستية" العابرة للمحيطات وبقدرتهم على إدارة "الحرب الإلكترونية" وحرب النجوم وهم مختبئين في قصورهم المشيّدة على جماجم ملايين الضحايا من الرجال والنساء والشيوخ والأطفال الرُضّع الذين طالتهم القنابل الذكية وهم نائمون في بيوتهم يحلمون بالقوت والأمان. وكم شعرت بالفخر يدبّ في أوصالي حينما قرأت في أحد المنشورات الصادرة عن الصليب الأحمر الدولي قولاً جاء فيه: "يكاد يستجيل العثور على وثائق تدلّ على زمان ومكان ظهور أولى القواعد القانونية ذات الطابع الإنساني بشأن النزاعات المسلّحة، كما أنه من الأصعب تحديد اسم منشئ القانون الدُوَلي الإنساني". خيّل إليّ لحظتها أنني أسمع وقع سنابك خيول جيش "أسامة" وهو ينطلق إلى بلاد الشام بعد أن رسم له الخليفة "أبو بكر الصديق"  رضي الله عنه جملة من القواعد المستمدّة من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف وسنة النبي الأكرم صلوات الله وسلامه عليه: " قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا ولا تغدروا ولا تُمَثِّلوا، لا تقتلوا طفلا صغيرا ولا شيخا كبيرا ولا إمرأة، ولا تقعروا نخلا، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرةً مثمرةً، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرةً ولا بعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرّون بأقوامٍ قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له...".

     لقد مرّت عصور وأزمان على تلك الوصايا العشر، ولم يتمكن الإنسان بعد من إيجاد لغة الحوار التي تخرس لكنة العدوان والنزاع المسلّح؛ بل لم يتمكن الفكر المسالم او الباحث عن الأمان من إيجاد القواعد العملية الفاعلة في تقريب المسافة الآخذة بالاتساع أكثر بين نتاج ذلك الفكر ونوايا المتحاربين، وتلك هي رحى الحروب المزمنة القذرة تتابع إزهاق أرواح ملايين الأبرياء دون تمييز بين مقاتل وغير مقاتل؛ في العراق وفي فلسطين ولبنان وأفغانستان...؛ وفي كثير من بقاع العالم الباحث عن الأمان...، لكن الفكر البشري الذكي السليم سيبقى يبحث عن تطوير فاعل للقانون الدُوَلي الإنساني؛ وسيبقى يحلم بأن يتمكن ذلك القانون من تحرير مسارات تطبيقه من تأثير تجار الحروب وجحيم قنابلهم الذكية وسطوة نواياهم المخادعة الشرسة الغبيّة...*

‏الاربعاء‏،

 



أضف تعليقا