واحة الأدب

مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//

إدارات نامية

إدارات نامية

http://www.husamdeen.jeeran.com//

http://www.husamdeen2.jeeran.com//

husamdeen@hotmail.com

husamdeen@mail2syria.com

husamdeen@maktoob.com

محمد حسام الدين دويدري

 جوّال  0955278048

مما لا شكّ فيه أنّ القيام بجولة سياحية أو اطّلاعية يزيد المرء فيها معارفه ويوسّع إدراكه لما يجري حوله هو حلمٌ جميلٌ يراود نفوس كثيرٍ منّا، لكنّني وجدت هذا الحلم يتحوّل في نفسي إلى كابوس مزعج حينما يمّمت شطر دائرة السجل المدني بحلب؛ أو مايعرف لدى العامّة بدائرة "النفوس". لم أكن مضطراً لتلك الزيارة؛ لكنّ رغبة ملحّة كانت تدفعني باتجاه محاولة الاطّلاع على مدى ماوصل إليه العمل فيها من تقدم في مسار "التطوير والتحديث" بعد أن مضت أعوام عديدة على آخر زياراتي القسرية إليها. كنت أتوقّع أن يكون تأثير التطور العالمي قد رشح إلى بعض مفاصل العمل فيها، لكنني حينما وصلت إلى المدخل الرئيسي منخرطاً بين الجموع لم أجد مايشير إلى ما هو جديد في المشهد. وداهمني صوت طفل لم يبرح عقده الأول من العمر؛ وجدته يعترض سبيل الداخلين عارضاً عليهم شراء الطوابع منه. رميت إليه بنظرة عجلى لم تفلح في التقاط تفاصيل ملامح وجهه الشاحب، ثم تابعت المسير متحاشياً بعض من امتهنوا اصطياد الداخلين إلى ذلك المكان عارضين عليهم خدماتهم السريعة مقابل حفنة من النقود. كان المكان كعهدي به يغصّ بمجموعات كثيرة من المتدافعين أمام نوافذ زجاجية متلاصقة تفصل كلّ مجموعة منهم عن الموظف المختص بخانة سجلّهم المدني، كانت الأيدي الممسكة بالأوراق تتمايل كأغصان أطاحت بها الريح متدافعة بقوة نحو الموظف "المسكين" كلما اقترب من النافذة، أما هو فكان يلتقط الأوراق من إحداها والعرق يتصبب من جبهته فينظر فيها ثم يغيب عن الأنظار برهة يعود بعد انقضائها حاملاً سجلاً ضخماً متهالكَ الأوراق؛ يضعه أمامه؛ فيقلّبُ صفحاتِهِ لينقلَ منها بعض المعلومات إلى الأوراق التي قُدِّمَتْ إليه؛ ثمّ يطلب من صاحبها توقيعها من المدير أو رئيس الشعبة المختص الذي يجلس هو الآخر إلى مكتب في حيّز زجاجي يستقبل فيه "طابور" العابرين إليه بمعاملاتهم. وأمام نافذة أخرى وجدت أحد الموظفين يشير إلى مواطن بالعودة في وقت آخر معتذراً منه بأنه لم يعثرْ على السجل الخاص بخانته والذي ربما يكون في غير المكان المخصَّص له.  ولعلّ أوّل ما يلفت انتباه الزائر إلى ذلك المكان تلك الجدران الملطّخة بالسواد؛ حيث أنك لاتجد شبراً "إلا وفيه" بصمة بإصبع أو سحجة بكَفّ، لتدرك لتوّك أنّ تلك الجدران العتيقة قد تحوّلت إلى "مَمسحة" يُمَرِّغُ عليها روادُ المكان أكفَّهُم الملوثة بالحبر الأسود بعد أن أتَمَّ الموظف المختص أخذ طبعة ناجحة عن بصماتهم...

     في تلك اللحظات كنت أجيل بصري في أرجاء المكان متسائلاً عن سرّ امتناع تسرّب مظاهر التطور عنه، كِدت أتوهّم أنّني في إحدى إدارات العهد العثماني؛ مع أنّ العاملين فيها لم يكونوا في مظهرهم من أهل الطرابيش والأكمام، لكنّ ما أيقظني من ذلك الوهم أنني وجدت في زوايا محدّدة بعض الحواسيب المتناثرة التي لم تَرقَ البرامج المختزنة فيها إلى مستوى تنسيق موارد ومعطيات تلك الإدارة النامية تمهيداً لأتمتة سير العمل فيها بشكل آليّ منظّم يوفر الكثير من الوقت والجهد وحرق الأعصاب على الموظفين والمواطنين على حدٍّ سواء. ووجدت السؤال يومض في بصيرتي من جديد: إلى متى ستبقى هذه "الإدارات النامية" نائمة ساهية عن ضرورة مجاراة العصر في تطوير أساليب العمل؟. هل المشكلة في قيادات الجهاز الإداري والعقد الروتينية التي عجزت النظم الإدارية المتناقضة عن تجاوزها؟، أم أنّ المشكلة تكمن في عدم صلاحية البلاغات والتعليمات المختلفة للتلاؤم مع المفاهيم الحديثة ؟، أم تراها في الموارد البشرية المستثمرة لإدارة ذلك المرفق الحيوي وعدم قدرتها على التماشي مع الوسائل الحديثة...؟.   

     ربما ترد الإجابة المكتوبة عن الجهات المعنية بالأمر قريباً، لكننا سنبقى بانتظار خطوات عملية ملموسة تسارع بوضع أقدامنا على الطريق الصحيح ...*

 ‏الثلاثاء‏، 12‏ آب‏، 2008

 



أضف تعليقا