واحة الأدب

مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//

الكساد في سوق الفساد

الكساد في سوق الفساد

http://www.husamdeen.jeeran.com//

http://www.husamdeen2.jeeran.com//

husamdeen@hotmail.com

husamdeen@mail2syria.com

husamdeen@maktoob.com

محمد حسام الدين دويدري

 جوّال  095278048

"لو كان الفَسَادُ رَجُلاً لَقَتَلْتُهُ". لست أدري بالضبط ما الذي دفعني لاستعارة هذا التركيب الشائع وأنا أهيء نفسي للحديث عن الفساد، ربما أراد عقلي الباطن أن يربط بين الفقر والفساد انطلاقاً من آراء كثير من الدارسين في مجال العلوم الاجتماعية يرون أن الفقر وانخفاض المستوى المعيشي للفرد وعدم التناسب بين الدخل ومتطلبات الحياة هي في مقدّمة عوامل كثيرة باتت تفرز الفساد وتساعد على انتشاره بين فئات المجتمع؛ وخاصة أولئك العاملين في دوائر القطاع العام. ومع أنني لا أنكر أنّ الفقر يأتي في عداد تلك العوامل؛ إلا أنني في إدراكي الواعي لا أعطيه مكان الصدارة بينها ولا أجزم أنّ له الدور الأكبر في قيادة جحافل الفساد التي باتت تستشري في نخر اقتصادنا الوطني، فمازلت متمسّكاً باعتقادي الراسخ أن انحسار دور منظومة القيم في ضبط سلوك الأفراد هو أقوى تلك العوامل؛ وأنّ تكثيف توجيه الجهود في مسار الاستثمار الأمثل للأخلاق والقيم يأتي بمثابة المادة الدوائية الفعّالة للخلاص من هذا الداء العضال.

     منذ أيام قلائل صحبني أحد الأصدقاء عامداً متعمّداً في إحدى زياراته القسرية السنوية التي كان لابد أن يجريها إلى واحدة من المديريات الخدمية العتيدة في حلب؛ وذلك بهدف إنجاز معاملة هامة بالنسبة له. ومع أنني كنت أتوقع أن يكون الفساد حاضراً هناك؛ إلا أنني لم أكن أتوقع أن يكون له ذلك الحضور العلني القوي. كانت الجموع المتدافعة حاشدة، وثمة رجل كان يبدو مهماً أمام ذلك الحشد، فالأبصار تتجه نحوه والأيدي تمتدّ إليه بأرقام متنوّعة، والأفئدة اللاهفة ترجوه المسارعة في إحضار الأضابير التي تشير إليها تلك الأرقام، أما هو فكان يقف صارماً متجهماً غير آبه إلا بمن يناوله "المعلوم". وماهي إلا لحظات حتى وجدت صاحبي يخترق الجموع ثمّ يشير إلى إحدى الأضابير رافعاً صوته: " تلك هي إضبارتي"؛ التفت الرجل إليه ثم التقط تلك الإضبارة ورمى بها إلى الأرض بين كومة من الأضابير. وهنا وجدت صاحبي يفطن إلى ضرورة تدارك الأمر فناوله ورقة نقدية كان لها مفعول السحر على وجه كل من الرجلين، ووجدت نفسي غريباً في مكان لا خبرة لي به. بِتّ أراقب صاحبي وقد بدت علائم الارتياح تشرق على وجهه بعد أن قفزت الإضبارة  من الأرض لتنتقل بين المكاتب بسرعة ويسر، وكان جواز السفر السحري الذي يسهّل عبورها هو مايطلبه أولئك الموظفون وبشكل علني من نقود كان يدفعها ذلك المواطن دون أي امتعاض أو ممانعة...، وهكذا؛ خرجت مع صاحبي من ذلك الصرح؛ وفي جعبتي رشقات من الأسئلة البريئة التي كنت أنوي طرحها عليه مستفسراً عن حقيقة تلك المشاهد، لكنه مالبث أن عاجلني بالحديث وعلامات نشوة الانتصار بادية علىوجهه قائلاً "أقسم أنك تريد لومي لأنني دفعت لهؤلاء المرتشين...، ألم أقل أنك لن تستطيع معي صبراً...، فلو لم أدفع لبقيت أنتظر إلى ما شاء الله وبلا طائل فيما الجميع يدبّرون أمورهم. أما ذلك الرجل الذي رمى الإضبارة أرضاً فهو المستخدم المسؤول عن جلب الأضابير؛ وربما هو "الدرويش" بين مجموعة الموظفين في هذه الدائرة لكنه هو أيضاً جمع ثروة لم يكن يحلم بها وبات يمتلك الآن سيارة لابأس بها؛ أما أنت فمازلت تلاحق السرافيس؛ وتتسلق الباصات؛ وستبقى كذلك مادمت تبيع بضاعتك الكاسدة من النصائح والكلام الذي لا يغني ولا يثمن من جوع...

     وهكذا عدت إلى مكتبي؛ وأنا أغالب جذوة الغضب التي اشتعلت في نفسي حيال ذلك "المنتصر" الساخر؛ فعانقت قلمي من جديد وأنا أتحسس وثاق ولائي للوطن؛ ذلك الولاء الذي يجعلني أرى جميع اللاعبين في مشاهد الفساد على أنهم يمارسون خيانة الوطن ويساهمون في صناعة الأزمات والفتن، كنت دائب التساؤل عن سرّ فشل أولي الأمر في سدّ السبل التي تجعل أولئك المرتشين يعتبرون المواقع التي ائتمنوا على إدارتها حوانيت يبيعون فيها ضمائرهم...؛ مستثيراً إصراري على متابعة الطريق الصعب مؤكداً على دور الإعلام في الحث على إعلاء شأن القيم والأخلاق؛ رافضا أن تكون دعواتنا الطامحة إلى قتل الفساد تعاني من البوار والكساد....*

‏الثلاثاء‏، 05‏ آب‏، 2008

 

 



أضف تعليقا