الولاء في زمن البلاء
http://www.husamdeen.jeeran.com//
http://www.husamdeen2.jeeran.com//
husamdeen@hotmail.com
husamdeen@mail2syria.com
husamdeen@maktoob.com
محمد حسام الدين دويدري
أكاد أجزم أنني لم أكن الرجل الوحيد الذي اغرورقت عيناه بدموع الفرح الهادئة الساخنة في تلك اللحظات التاريخية. كانت كلّ جوارحي منشغلةً في متابعة ما نقلته الشاشة الصغيرة من مشاهد عودة الأسرى المحررين من سجون الاحتلال الصهيوني؛ واستعادة جثامين الشهداء العرب؛ في إطار صفقة التبادل التي أُطلِقَ عليها اسم "عملية الرضوان"؛ والتي تمت بعد مفاوضات طويلة غير مباشرة عبر وساطة ألمانية. كنت أرى أَماراتِ الفرح و بشائرَ الأمل بقرب عودة الجولان تغسل وجوه كلّ من حولي؛ وهم يسمعون بآذانهم ويرون بأعينهم عبارات ومشاهد الحسرة التي اعتلت وجوه الصهاينة وكلمات الأمل بالنصر ونظرات التصميم التي كانت ترسل إشعاعها من قلوب الأبطال المحررين، في تلك الأثناء شعرت أن طعم العزّة والفخار المفعم بنكهة الفرح يكاد يقضي على ما استوطن الأفواه والقلوب من مُرّ وأسى لعقود خَلَتْ تتالت فيها الهزائم والنكبات، فتلك هي ثقافة المقاومة تنتصر على ثقافة الخنوع والاستسلام، وهاهي ثقافة الإباء والصمود تنتصر على دعوات التوسل والتسول التي أمطرَنا بها اليائسون والميئِّسون. ولعلّ المهم في الأمر أنّ تلك الفرحة لم تكن لبنانية صرفة؛ ولاسورية خالصة؛ بل ولا فلسطينية فقط، فلعلنا نجد شمس الأمل مشرقة في قلوب النابضين على أرض كل دول عالمنا العربي والإسلامي. فحينما كنت أتجوّل بين مختلف القنوات الفضائية أبهجني ذلك الشعور الموحّد الذي اخترق كل السياسات القطرية والانعزالية ليعلن صرخة التضامن النابعة من إدراك الذات والإحساس بوحدة الهدف والمصير...
وهكذا وجدت لتلك الومضات السحرية أعمق الصدى في بصيرتي التي مالبثت أن اشتعلت فيها التساؤلات المستنيرة عن سرّ ذلك الامتداد الساحر. إنه الإدراك الحقيقي للانتماء والإحساس بالولاء. ذلك الإحساس المرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى وعي حقيقة الذات الإنسانية وسعة أفق الثقافة الحضارية.
لاشك في أنّ لفظة "الولاء" كانت على مرّ العصور تدلّ على أكثر القضايا الإنسانية إثارة للجدل؛ ففي حين كانت لفظة "الولاء" في الماضي مرتبطة بالحرب والنفوذ والسلطة؛ فإنّ مدلولها اليوم بات أكثر ارتباطاً بالأخلاق والقيم السامية، فكلما كانت النفس أكثر رقياً كان وعي الولاء لديها أوسع وأكثر وضوحاً وشمولاً. فالنفس البدائية "الصغيرة" الضيّقة الضحلة يكون ولاؤها محصوراً في حدود الذات الفردية ليس أكثر وبالتالي فهي تعاني من نزوات ودوافع "الأنانية الفردية" التي تدفعها إلى التحرك في إطار ضيق تنحصر أهدافه في منفعة الذات وإشباع غرائزها دون الالتزام بأي نوع من أنواع القيم والضوابط والمعايير, فإذا ارتقت النفس إلى درجة أعلى كان ولاؤها أسرياً، فإن ارتقت أكثر اتسع الولاء إلى الجماعة أو العائلة والقبيلة فالعرق..، ومن ثم إلى مستوى الدولة والإقليم...، وتلك الأنواع من الولاء ترسخ في النفس ميولاً استعلائية يمكن أن نطلق عليها تسمية "الأنانية الجمعية" وبالتالي فهي تكرس السعي العدواني إلى تغليب مصلحة تلك الذات على كل المعايير والقيم...، حتى إذا باتت الذات أكثر وعياً وسمواً غدا مفهوم الولاء لديها شاملاً حقيقة الوجود والإرادة المطلقة لخالق الوجود فباتت الذات تنظر إلى ولاءاتها الفرعيةنظرة متوازنة من خلال إدراك حقيقة الضوابط والقيم الأخلاقية وأهميتها في رسم مسارات السلوك، فبات الولاء لله يعني الولاء للحياة الإنسانية السليمة بكلّ مافيها من بيئة طبيعية تشمل الشجر والحجر والبشر وبالتالي بكل ما فيها من ضوابط تحمي توازنها وسلامة استمرارها، وبالتالي فإن هذا الولاء يعني أيضاً وبالضرورة الولاء الواعي للانتماء والوطن في إطار الوعي السليم للحقوق والواجبات، وبذلك فإنّ الولاء للذات الفردية يعني حسن إدارتها لتكون أكثر قدرة على أداء دورها...
وهكذا وجدت بصيرتي تقرأ سر انتصار أولئك الأبطال في إطار سلوك نابع من فهم حقيقة قيمة "الولاء" مستنيرين بثقافة المقاومة التي هي المخرج الوحيد من حالة التقهقر ومن أزمات زمن البلاء...*
الثلاثاء، 22 تموز، 2008












26 يوليو, 2008 01:33 م