لم يعد يساورني أدنى شك في أنّ مانشهده اليوم من خلط وتضارب في القيم والمعايير المطروحة أمامنا بات يستحق منا وقفة تأملٍ وتفكير عميق، فهذا العصر بمافيه من انفتاح كامل على مختلف الثقافات والمجتمعات وما يحمله إلينا عبر وسائل التواصل من حشود متضاربة من الأفكار والطروحات الموجَّهة منها والعشوائية؛ بات يثير الكثير من الشكوك في بعض النفوس حول كثير من المنطلقات التربوية التي يفترض أن تكون الموجه السليم لسلوك الأفراد والتي طالما سعى المربون الأفاضل إلى غرسها في النفوس منذ سنوات الطفولة الأولى؛ إذ غدت تلك النفوس حائرة بين تقلص مساحات "القاعدة" وتوسع تشعبات "الاستثناء"؛ فكثيراً ما غدونا نرى الأحداث المشوَّهة أكثر ظهوراً على سطح العلاقات الاجتماعية من تلك الأحداث السليمة التي سعت إلى ترسيخ نظمها القيم الدينية والمعايير الأخلاقية التي اجتهد في الدعوة إليها الدعاة والمفكرون عبر العصور... منذ مدّة طلب مني أحد معارفي من رجال الأعمال إرشاده إلى مدرِّّسٍ كفوءٍ أكفله يوافق على القدوم إلى بيته كي يقوم بإعطاء أحد أبنائه بعض الدروس الخصوصية لرفع مستواه التعليمي تحضيراً للعام الدراسي القادم. وبالفعل؛ فقد قيض لي الله فرصة الجمع بين أستاذٍ قديرٍ وذلك الصديق للاتفاق على الأجر والتفاصيل. وكم كنت مسروراً إذ وجدت علامات الدهشة بادية على وجه صديقنا التاجر الذي لم يُخْفِ استغرابه لانخفاض الأجر المطلوب على الساعة التدريسية ؛ قائلاً: "أمرٌ غريب...، بصراحة نوقعت أن تطلب أكثر من ذلك بكثير...، فوالله إن الأجر الذي تطلبه أقل مما كان يتقاضاه من قام في العام الماضي بتدريس ابني؛ وإنني أريدك أيضاً أن تقومَ بتدريس أخيه؛ فانظر كم تريد لتدريس الاثنين...؟". في تلك اللحظة توقعت أن يغالب الطمع - أو لنقل الطموح إلى الأجر الأعلى - نفس المدرّس؛ لكن المفاجأة كانت حينما سارع بالقول: "إذا كان تدريس الولد الثاني سيتم في نفس الزيارة التي سأقوم بتدريس الولد الأول خلالها فإنّ واجبي يحتّم عليّ أن أجري تخفيضاً على أجر تدريس الثاني لأنّ عرض تدريس الأول كان يتضمن احتساب أجور المواصلات...". تُرى هل لنا أن نعتبر تصرف هذا المربي قاعدة أم استثناءً...؟، وهل ينظر إليه البعض على أنه قد أضاع على نقسه فرصة أكبر للربح...؟. على الرغم من ندرة مثل هذا الحدث...؟، ربما ينظر أحدنا إليه وفقاً للمنظور المادي العصري على أنه مجرد عرض تجاري المنطق والهدف يريد ذلك المدرس من خلاله كسب السمعة الدعائية لاستقطاب من يحتاج إليه، لكن النظرة الموضوعية الواقعية لابد أن تكتشف الدافع الحقيقي وراء تصرفه؛ وقد عهدته حريصاً على التمسك بالمعايير الأخلاقية وبمبادئ التوازن السليم بين الحقوق والواجبات ورفض المبدأ العصري المنادي باصطياد الفرص والسعي إلى الكسب المطلق بدعوى المصلحة الشخصية ورفض تقييد الحرية الفردية بصرف النظر عن صلاح المصدر. فالقاعدة الصحيحة تقتضي منا أن نجتهد في توخي سلامة العلاقة المتوازنة بين الحق والواجب، والاستثناء الشاذ هو ما يحصل اليوم من سعي مفرط إلى الكسب الفاسد الجامح ولو كان هذا الكسب بالطرق غير المشروعة عن طريق ممارسة الرشوة أو النصب والسلب والتزوير والاحتكار واقتناص حقوق الآخرين...، فلطالما اجتهد المفكرون والمصلحون الاجتماعيون ومنذ بدايات تطور المجتمعات الإنسانية في رسم التصورات السامية لمسارات تصويب العلاقات بين بني البشر واضعين النظريات حول معالم المساحة الفاصلة بين الحقوق والواجبات بمايكفل الخروج بالمجتمع من حالته البدائية التي تغلّب النزعة الفردية فتثير النزاعات بين الأفراد، وبالتالي بما يكفل السمو بهذه العلاقات في تنظيم تكاملي يتخلى فيه الفرد عن أنانيته وعن جزء من حريته الشخصية كي يلتزم أمام الآخرين ببعض الواجبات التي تنكفل سلامة واستمرار هذا التنظيم الذي يضمن للمجتمع بأسره العيش الآمن المتعاون...، ومن هذا المنطلق فلابد من رفع شارات التنبيه والتحذير في وجه أولئك السائرين في ركب النزعة المادية؛ الذين يريدون العودة بالمجتمع إلى حالته البدائية المليئة بالنزعات والنزاعات؛ فلابد من التأكيد على التمسك بالقواعد الحقيقية الثابتة مؤكدين رفضنا إحلال الحالات الشاذة محلها وتحويلها إلى استثناء...* الخميس، 03 تموز، 2008 بين القاعدة والاستثناء
http://www.husamdeen.jeeran.com//
http://www.husamdeen2.jeeran.com//
husamdeen@hotmail.com
husamdeen@mail2syria.com
husamdeen@maktoob.com
محمد حسام الدين دويدري
![]()
![]()
.
.
الخميس, 03 يوليو, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








