الغضب العربي
http://www.husamdeen.jeeran.com//
http://www.husamdeen2.jeeran.com//
محمد حسام الدين دويدري
كانت لحظاتٍ عصيبةً؛ شعرتُ خلالها أنني بتُّ محاصراً بين ألسِنةٍ من لهب وبين رغبة جامحة بالبكاء المرّ لا يمكن أن تطفئ من سعيره شيئاً، كنت أحاول الالتجاء إلى الصمت التام هاربا من عيون الآخرين الذين كنت على يقين تامّ بأنّ حالهم لم يكن بأفضل من حالي. كان يكفي أن يتكلم أحدهم ليُحدِثَ خللاً في التوازن القسري لحالة الصمت الظاهري التي كنت أحاول المحافظة عليها؛ إذ كانت الكلمات تتحشرج في داخلي؛ فيما كنت أحاول جاهداً حبس الدموع الراشحة من مقلتيّ اللتين تسمرتا أمام الشاشة الزجاجية في متابعة لما كانت تعرضه من مشاهد راحت تجلد ذاكرتي بقوَّة على أنغام نحيب صارخ كان يطلقه ببراعة مجموعة من الفنانين العرب الذين تلاقوا على صراخ واحد: " ماتت قلوب الناس؛ ماتت بنا النخوة، يمكن نسينا فيوم إن العرب إخوه...". وعلى الرغم من انتهاء العرض بعد مدّة إلا أنّ الصمت بقي سيد الموقف للحظات طالت كان كلّ واحدٍ منا يستجمع فيها رباطة جأشه، أما أنا فمكثت أستنصر عبق الماضي وأستعيد في ذاكرتي بعض الأناشيد الوطنية الجماعية التي طالما رددتها في حماس ونشوة مع رفاقي منذ الطفولة: "وطني حبيبي الوطن الأكبر...، موطني موطني...، بلاد العرب أوطاني...". في تلك اللحظات كانت بصيرتي مشغولة بإجراء حزمة من المقارنات السريعة في محاولة بسيطة لاستكشاف سرّ ذلك التحوّل الكبير الذي طرأ على بنية الأناشيد الوطنية، فمن العِزَّةِ والكرامة ونشوة الحرية ثمّ التغني بحلم الوحدة الكبرى...؛ وصولاً إلى بعض أناشيد وقتنا الراهن وما يشوبها من النحيب والتوجع وجلد الذات ودعوات استنهاض الهمم، ثم أفقت من ذلك كله على ماوجدته يدور بين الحاضرين من حوار كان ينصبّ في معظمه حول امتداح هذا العمل الفني المتقن الذي حاول فيه منتجوه أن يضعوا النظم الرسمية العربية المتراخية والشعب العربي اللاهث أمام حقيقة آلام الأمة؛ وبالفعل فإنّ العمل يستحق وقفة احترام؛ إذ كان نقلةً نوعية في مسار فن الغناء والفيديو كليب وربما كان من الأفضل أن تتم ترجمته إلى اللغات الأخرى لوضع شعوب العالم في حقيقة مايجري.
ووجدت الحديث بين الصحب حائراً في تصنيف فيديو كليب "الغضب العربي"، أهو في جملة جلد الذات؟، أم بإمكاننا تصنيفه في سياق "الفن المقاوم" ..، وهل يُقبِلُ الناس على هذا النوع من الفن؟؛ أم أن ماتطرحه الشاشات من مشاهد الفن الرخيص المثير للغرائز بات يستقطب الجمهور الذي لم يعد مستعداً لمشاهدة المزيد من المآسي اليومية؟. كان الجدل حادّاً، لكنني وجدت فيه انتصاراً للرأي القائل بأنّ معظم الناس يكرهون الفن الرخيص ويريدون من الفنّ أن يأخذ دوره الحقيقي في التثقيف والتحريض على الإصلاح ليكون "ملتزماً" بالقضايا المصيرية للأمّة. لكنّ أصابع الاتهام كانت تتجه بوضوح وثقة نحو بعض المنتجين والفنانين الساعين نحو المال والأضواء أولاً دون إبداع وبعيداً عن التمسك بالرسالة الحقيقيةللفن. ولعلّ الغريب في الأمر أن تجد معظم هؤلاء ماينفكون يُدلون في كثير من المقابلات واللقاءات التلفزيونية بالتصريحات المناقضة لأفعالهم منتقدين الفن الرخيص بشكل نظري؛ بل مكتفين بالرفض الكلامي فقط دون أن يقوموا بخطوات عملية جريئة لصناعة فنٍّ مُلتزمٍ مبدع يرقى بوجودهم أولاً وبجمهورهم ثانياً. ومن هذه الزاوية تحديداً يجدر بنا أنّ نبارك لكلّ من ساهم في إنتاج هذا العمل الإبداعي "الضمير العربي" صعوده نحو الإبداع مؤكدين أنّ الإبداع شكلٌ راقٍ وهادف خلاّق من أشكال النشاط الإنساني وأنّ كل نتاج لا يرقى بالإنسان لايمكن أن يدخل في عداد الإبداع مهما كان جديداً ومبتكراً. ولعلّي لا أجاوز الصواب إن قلت: إنّ غياب أو ضمور الدور الفاعل للنقد الصادق والنقّاد بات يشكّل عاملاً حاسماً في التكاثر السرطاني لأصناف الفن الرخيص والترويج له، ولعلّه من الظلم أن نتّهم جمهور المتلقين بأنهم هم من يطلبونه ويقبلون عليه؛ فالحقيقة أنّ أذواقهم هي ضحية لجشع كثير من المنتجين المتاجرين بالعقول ولتخاذل المقصّرين...
ربما يكون "الضمير العربي" صرخة في وجوه الفاعلين في حقول السياسة، لكنّه في الواقع يشكّل صرخةً واضحةَ المعالم في وجوه المنخرطين في صفوف الساعين إلى الإبداع عساهم يصحون مما هم فيه من تيه، فالوطن وهموم الأمة وقضاياها المصيرية وكل مايرقى بالإنسان العربي أولى بإبداعهم من مجرّد الرقص والغناء وحالات العبث التي ترمّد الزمن وتزهق الفكر وتريق المال وتبدد طاقات الأجيال...*
الاثنين، 21 نيسان، 2008









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية