واحة الأدب

مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//

المستقبل في خطر...؟!

المستقبل في خطر...؟!  

                     http://www.husamdeen.jeeran.com//

http://www.husamdeen2.jeeran.com//

husamdeen@mail2syria.com

husamdeen@maktoob.com

husamdeen@hotmail.com

محمد حسام الدين دويدري

 جوّال  095278048

حينما عدت إلى لقاء قلمي ثانية وجدت صورة تلك الطفلة المتسولة تتأرجح في ذاكرتي؛ وعاودتني الرغبة بالحديث مجدداً عن أولئك الأطفال الذين حاصرهم الفقر والجوع والتشرّد فنزحوا إلى الشوارع والأزقة والساحات مبتعدين عن مدارسهم التي كان من المفترض أن تكون لهم المأوى والملاذ والمنقذ؛ فبتنا نراهم في كل مكان؛ يطرقون الأبواب أو يبيعون "العلكة" أو يصطنعون في أجسادهم بعض العاهات الظاهرة التي تستفزُّ عطف الناس،أو يجتّرئون على حقائب السيدات بخفة احترافية؛ لينتهي بهم المطاف بعد مدّة إلى السَجن في مايسمى بإصلاحية الأحداث؛ حيث تتاح لهم فيها فرص استكمال مالم يتمكنون من تعلّمه من أصناف الجرائم والموبقات وأشكال الانحراف...!!.

     ووجدت القلم يتسمّر بين أصابعي؛ فيما كانت ذاكرتي تنقلني إلى مشهد كنت قد تعثرت به في أحد شوارع دمشق منذ مدّة، حيث اصطفّ على أحد الأرصفة الفسيحة رتل من الأطفال وقد انكبّ كلٌّ منهم على مابين يديه، كان كلٌّ منهم ينظر في الحذاء الذي يعمل على تلميعه؛ حتى بدوا كأنّهم لم يعتادوا النظر إلى الأعلى؛ بل ربما هم لا يطيقون ذلك لأنه يذكرهم بلحظات الفراغ؛ لكنني وجدت أحدهم يطيل النظر في وجه زبونه الأنيق ذي الشعر المصفوف بعناية، فيما كان ذلك الزبون يمسك بين شفتيه واحدة من أفخر أنواع السيجار المستورد وهو يجيل ببصره المختال يمنة ويسرة؛ فيما كان ذلك الطفل يمعن في تمرير فرشاته على الحذاء المصقول بمهارة فائقة آملاً بجزيل العطاء...

     ووجدت تلك المشاهد القاسية تتشظّى في أعماقي فتنثر فيها التساؤلات المرّة الشائكة عن حقيقة الظروف القاسية التي ماتنفكّ تقتلع أولئك الأطفال من مقاعد الدراسة ومن بيئة كان من المفترض أن تكون ملائمة لتأسيس مستقبلهم وتحويلهم إلى عناصر فاعلة في صناعة مستقبل الأمّة، لترميهم في أوحال واقع مرير دون أن يجدوا من يأخذ بيدهم نحو الطريق السوي...، ربما كان الفقر المتنامي هو الدافع الحقيقي، وربما كانت البطالة...، وربما كالن التخلف...، وربما كان طلاق الزوجين وانفراط عقد الأسرة وبالتالي  ترك الأبناء عرضة للشرود في الأزقة فيلتقطهم بعض رفاق السوء أو أحد "نخاسي العتمة" الذي يقوم باستدراجهم إلى تكويناتٍ سرّية سيئة تدرّ عليه من الربح الحرام مايثريه؛ فمنها ماهو مخصص للنشل ومنها ماهو مخصص للتسول ومنها ماهو مخصص لأمور أخرى تشوّه حاضر المجتمع وتهدد أمنه وتهدم أسس مستقبله.

     مما لاشكّ فيه أنّ ظاهرة التسول في حد ذاتها هي ظاهرة قديمة جداً؛ وهي موجودة في كل المجتمعات، ولطالما لازمت الفقر والتخلف واهتزاز أسس الأخلاق والقيم، لكنّ اللافت في الأمر أنّها قد بدأت تستفحل وتتشعّب في الآونة الأخيرة بشكل بات يثير القلق والمخاوف مع استمرار تقاعس الجهات المعنية أو فشلها في وضع الحل الصحيح؛ ومع تجاهل المقتدرين من أبناء المجتمع؛ ومع تزايد معدلات الفقر؛ خاصة مع التصاعد المخيف للغلاء وللأزمات الاقتصادية. ومما لايمكن إنكاره أيضاً أنّ وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل كانت قد أنشأت في دمشق معهداً لتأهيل وتشغيل المتسولين ومن المفترض أنه يقوم بتعليمهم بعض الحرف التي يفترض أن تساعدهم على كسب قوتهم بشرف، لكن ذلك وحده لا يعتبر كافياً أمام محدودية قدرته وضآلة أدائه وتزايد أعداد المتسولين؛ وخاصة من فئة الأطفال...، وحيال هذه الظروف المهددة للحاضر والمستقبل معاً ربما يصحّ أن نشير إلى الدور الذي يجب أن تلعبه الجهات الاجتماعية الخيرية للمساهمة في حل هذه المشكلة، فعلى سبيل المثال لو أنّ جانباً من التبرعات وأموال الزكاة رصدت لخلق مؤسسات اجتماعية منها مايكون مخصصتً لكفالة الأطفال والتعهد بتعليمهم  ومنها مايؤسس على شكل مؤسسات تدريبية وإنتاجية، وكلا النوعين يعملان  بالتعاون مع أصحاب الأيدي النظيفة من الإدارات المختصة؛ بحيث تقوم تلك المؤسسات باستقبال من تلتقطهم فرق خاصة بمكافحة التسول والتشرّد لينم تدريبهم نفسياً ومهنياً؛ وبالتالي تجنيدهم للعمل في ورشات إنتاجية تدر عليهم الرزق الحلال وتقيهم غائلة العوز والانحراف...

     ربما يبدو عنوان هذه الزاوية مخيفاً، لكن ماهو مخيف في الحقيقة أن تبقى هذه المشكلة المزمنة توالي استفحالها وأن يتابع كلّ من المجتمع وأولو الشأن تراشق المسؤولية دون خطوات موحّدة حازمة ساعية إلى الحل..

‏الثلاثاء‏، 08‏ نيسان‏، 2008

 

 


أمل



أضف تعليقا