واحة الأدب

مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//

تَسَاهُلٌ أَمْ تَجَاهُلٌ أَمْ تَخَاذُلٌ...؟

تَسَاهُلٌ أَمْ تَجَاهُلٌ أَمْ تَخَاذُلٌ...؟

http://www.husamdeen.jeeran.com//

http://www.husamdeen2.jeeran.com//

husamdeen@mail2syria.com

husamdeen@maktoob.com

husamdeen@hotmail.com

محمد حسام الدين دويدري

 جوّال  095278048

     في تلك اللحظات الزاهية بلمسات الربيع لم أكن أشعر بأيّ لون من أطياف التشاؤم؛ مع أن مباهج المطر السخي كانت على جمالها تثير في نفسي زمراً من التساؤلات المُرّة حول مدى تأثيرها في كبح تسارع موجات الغلاء التي ماتنفكّ منذ زمن توالي تصاعدها الجنوني المخيف بشكلٍ بات ينذر بتفاقم العديد من الأزمات الاجتماعية الحادة مالم يتم تلافي زحفها الطاغي المزمن.

     في تلكم اللحظات كنت قد غادرت مكتبي مصطحباً "الكاميرا" حاملاً باقة من الأمل وأنا أهمّ بتصوير لقطات ممييّزة في حرم جامعة حلب كي أجعلها في سياق ما سينشر على مدى احتفالية الجامعة بعيدها الخمسين، كانت خطواتي بطيئة هادئة؛ فيما كانت عيناي تنثران في الأر جاء مجموعة من النظرات المتفحصة للزوايا متحاشيةً أن يشوب أيّاً من تلك اللقطات التي يفترض أن تكون منتقاة بعناية مايمكن أن يُعِيبَها، وبينما كنت أقطع بحذر ذلك الممر المُهمَل والمتهالك خلف كلية الزراعة متجهاً إلى كلية الصيدلة شعرت بيد صغيرة تباغتتي  بمحاولة إحكام قبضتها الناعمة على يدي؛ فيما قطَعَتْ عليّ تأملاتي رشقاتٌ ناعمةٌ من عبارات الاستجداء المعهودة هَوَتْ بنظراتي المتسلقة للجدران في أرض ذلك المكان؛ فإذا بي أمام طفلة بدا لي أنها لم تتجاوز بعد سنتها السابعة من عمرها. كانت ترتدي ثوباً رثّاً أكل الزمان عليه وشرب، وتضع على رأسها غطاء يستعير من ذاكرة البياض بعض الملامح. ووجدت نفسي أنتزع يدي بقسوة وأنا أحدّق في وجهها الوحشي الأسمر صارخا: ماذا تفعلين هنا أيتها الصغيرة...؟ وكيف وصلت إلى هذا المكان. لم تُجِبْ على تساؤلاتي؛ بل راحت تتابع بشكل ببغائي تكرار ما حفظته من عبارات الاستجداء. رفعت وتيرة صراخي في وجهها: أين أهلك...؟ وكيف وصلتِ إلى هنا...؟!، نظرت في وجهي بقسوة مرددة: " ماتوا جميعاً... أنا جائعة" ثم تابعت تكرار مااعتادت قوله من عبارات لم تحفظ سواها هي في حد ذاتها كل ما في ذاكرتها مما تعلمته من بيئتها وما أتيح لها من ثقافة. أدخلت يدي في جيبي فأخرجت ماوجدت فيه من قطع نقدية معدنية سكبتها في راحتيها طالباً منها مغادرة المكان بسرعة إلى بيتها، لكنني وجدتها تتركني مسرعة باتجاه كلية طب الأسنان حيث كانت بانتظارها فتاة أخرى حسبتها نسخة أكبر عنها...

     في تلك اللحظة بالذات شعرت بالظلال القاتمة تنسكب في أعماقي. وللحظاتٍ حرّضني الهاجس الصحفى على التقاط صورة للفتاتين وهما يتحركان في ختام ذلك المشهد؛ لكنني مالبثت أن آثرت إغلاق عدسة الكاميرا محاولاً إبعاد وجه تلك الطفلة الذي راح يتعلق بإلحاح في ثنايا مخيلتي بعد أن داهمتني حالة من الأسى على وقع هجوم طاغٍ لجيوش من الأسئلة اللائمة. في تلك اللحظة نخيلت نفسي في موقع المسؤولية عن رصد ماجرى وعن البحث عن الحلول، وتساءلت عن كلّ ما يمكن فعله لإيجاد الحلول التي تحدّ من  تكرار هذه المشاهد، كنت ما أنفكّ أسأل نفسي في حيرة: ماذا عليّ أن أقوم به لوكنت مخوّلاً بالتصرف حيال هاتين المتسولتين...؟، لماذا وقفت مما حدث أمامي ذلك الموقف السلبي..؟، هل هو التساهل..؟ أم التجاهل ...؟ أم التخاذل...؟!.

     ووجدت نفسي أعود أدراجي إلى مكتبي خالي الوفاض دون أن أنجز ما عزمت على أدائه، كانت حيرتي في تلك الأثناء شديدة: أأتابع  تلميع الواقع بالصور المنتقاة بعناية..؟، أم أفتح عدسة الكاميرا على الأوجاع المزمنة التي لم يعد هنالك أدنى مجال لتجاهلها بعد أنْ باتت دوافع معالجتها تلح علينا قبل فوات الأوان...؟!.

‏الاثنين‏، 31‏ آذار‏، 2008


طفولة



أضف تعليقا