أين الله...؟!
http://www.husamdeen.jeeran.com//
http://www.husamdeen2.jeeran.com//
husamdeen@maktoob.com
husamdeen@hotmail.com
محمد حسام الدين دويدري
ربما بات ذلك المشهد مشهداً اعتيادياً في حياتنا اليومية؛ على الرغم من كونه شاذاً ومستهجناً في كل المقاييس والمعايير الأخلاقية والاجتماعية. ومع أنّ الشارع لم يكن خالياً من المارّة فإنّ أحداً منهم لم يُبْدِ أيَّ اهتمام؛ فيما كان ذلك اليافع يتابع سيره اللامبالي محاذياً السيارات المصطفة على أحد جانبي الشارع وهو يمرِّرُ عليها قبضةَ يده الممسكة بقطعةٍ معدنيةٍ تشبه المسمار محدثاً شروخاً عميقة في طلائها. لم أتمالك نفسي، صرخت في وجهه معنِّفاً؛ لكنّه لم يَأبَه لذلك؛ بل ابتسم ابتسامة ساخرة متابعاً سيره العابث وهو يترنم بكلمات أغنية تافهة بدا لي أنني لم أسمع بها من قبل...
وهكذا وجدت نفسي من جديد أقف أمام هذا الأمر متابعاً ما كنت قد تحدثت عنه في زاويتي السابقة من أهمية دور الأسرة في تحقيق الضبط الاجتماعي. صحيح أن الدارسين يعرّفون الضبط الاجتماعي بأنه "مجموعة من الأساليب والقوانين والإجراءات التي يتخذها المجتمع لوقايته من الخلل والجريمة والحفاظ على تماسكه وسلامته واستقراره"؛ لكن التعويل الكامل على "الإجراءات الرسمية" بمفردها كالأنظمة والقوانين لايمكن أن يحقق ذلك الضبط والتماسك المنشود. فالرقابة الرسمية تبقى قاصرة وعاجزة في هذا المجال مالم تكن مشفوعة ومدعّمة بتنمية "الرقابة الذاتية" للأفراد؛ لأن من أنيطت بهم مهام الرقابة القانونية ليسوا بالضرورة ملتزمين بالضوابط والمعايير المحققة للضبط المنشود؛ بل ربما هم يخالفونها خفية وبشدة تحت غطاء الحصانات والقوة الإدارية؛ وبالتالي فإنه يجب أن يكون لكل رقيب رقيب أعلى يراقبه. فالنفس البشرية مشحونة بالشهوات والرغائب والدوافع؛ ولايمكن للرقيب البشري الخارجي أن يكون دائم الحضور والضبط؛ ولهذا فإننا نجد من يتحين الفرص لإشباع تلك الرغائب بمختلف الطرق التي يعلم حق العلم أنها غير مشروعة وغير قانونية. فدافع حب التملك - مثلاً – هو الذي يسيطر على قلب وعقل المرتشي والسارق في ظلّ اضمحلال الضبط الذاتي والقيمي فيدفعه إلى اغتنام غفل الرقيب البشري عنه ليقدم على اقتناص ماليس من حقه ناسياً أو متناسياً رقابة الخالق العظيم الذي يراه في كل ما يقوم به ولو كان في كهف قصي عن أعين الرقباء. ومن هذا المنطلق فإنّ الرقابة الذاتية هي عنصر الوقاية الفاعل وصمام الأمان الحقيقي الذي يحقق أول وأهم مقومات الضبط الاجتماعي. ولعلّ الغريب في هذا المجال أن نجد هذا المنطلق مهمّشاً ومعطّلاً في حياتنا رغم اعترافنا الكامل به؛ ومع أن إرثنا الحضاري والأخلاقي غني بما يكفل تحقيقه؛ فكم وكم قرأنا من روايات متواترة عن أحداث في عمق التاريخ تصف لنا وبشكل محبب نجاح الرقابة الدينية والأخلاقية "الذاتية" في الوقاية من الزلل، من ذلك ما يروى عن الراعي الذي طُلب منه ذبح شاة وقبض ثمنها في غياب مالكها فأجاب: "إذا كان صاحبها غير حاضر فأين الله...؟!". وكذلك فعلت من طًلب منها الغش بإضافة الماء إلى الحليب...، والروايات كثيرة في كتب الأخلاق والسير وهي موثقة وصحيحة... فما الذي تغير...؟!. ربّ قائل بأنّ الناشئ لم يعد قابلاً للتوجيه في زحمة المؤثرات الوافدة؛ فهو ينطلق في الحياة مهتدياً بمعاييره الخاصة معتبراً أنه يفهمها حق فهمها وأن من حقه أن يسير فيها حيث يشاء وكيف يشاء وبالطريقة التي يراها مناسبة له دون أي اعتبار. لكن هذا الاعتقاد في رأيي هو الخطل بعينه لأنّ مرحلة السنوات الأولى لحياة الطفل هي الأساس الذي تتم خلاله عملية التنشئة والإعداد لجعله قادراً على اجتياز المراحل التي تليها والتي ينخرط فيها الناشئ في معترك البيئة النابضة بمختلف المؤثرات والثقافات، وهذا الإعداد يجب أن يكون واعياً ومستنداً إلى أسس معرفية مضاءة توسِّع مدارك الطفل وتوجهه التوجيه الصحيح. ويخطئ من يرى أنّ عزل الطفل وحجبه عن المجتمع هو الأسلم لأن ذلك الحجب يؤدي إلى نقص في المعرفة وبالتالي إلى صدمة مستقبلية لاحقة تهزّ تماسك القيم لديه أو تسبب خللأ في تكوينه العاطفي. ولعلّ أهم مافي هذه المرحلة هو تنمية إحساس الناشئ بالحب المتوازن لكل من حوله دون إفراط أو شطط في الدلال؛ وعلى أن يترافق هذا الحب مع الخوف من خسارة هذا الحب بارتكاب الخطأ’ وبهذا تدخل منظومة "الترغيب والترهيب" أو الثواب والعقاب في بنية معاييره لتكون بذرة للرقابة الذاتية المبنية على قاعدة محبة الله والإحساس برقابته والخوف من غضبه، وعلى أن يترافق هذا كله بتوفير النموذج الأول الصالح للاقتداء المتمثل بأبوين يحسنان التصرف أمام بصيرته المتنامية...
إنّ أبناءنا أمانة في أعناقنا، ومهما زاد انشغالنا بتحصيل القوت فإنّ علينا أن لا نهمل تنشئتهم تنشئة صحيحة كي يكونوا أفراداً صالحين يعرفون المساحة الحقيقية لحقوقهم وواجباتهم وكي يصبحوا مؤهلين لقيادة المستقبل المنشود...*
الخميس، 14 شباط، 2008










أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية