واحة الأدب

مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//

مواسم الجمال

مواسم الجمال

http://www.husamdeen.jeeran.com//

http://www.husamdeen2.jeeran.com//

husamdeen@hotmail.com

husamdeen@mail2syria.com

husamdeen@maktoob.com

محمد حسام الدين دويدري

 جوّال  095278048

سُبحانَ مَنْ أبدَعَ في نفوسنا الإحساسَ بالجمال؛ فأثارَ فيها الرغبةَ بالاستزادة من لذَّة التمتّع به والأمل في استكثاره. وتلك هي مواسم الأعياد تُعاودنا بين مدّة وأخرى محرّضةً هذا الإحساس الراقي كلما خبا أو كمن في زحمة الحياة اللاهثة؛ محاولة أن تحوّله من مجرّد إحساس إلى حالة من الوعي المنتج للجمال. فحينما تقترب مواسم الأعياد يعلن الناس "حالة الطوارئ" فيشرع كلٌّ منهم في انتقاء أجمل ما يتمكن من شرائه من الملابس الأنيقة الجديدة له ولأطفاله، ثُمّ يَشرع الجميع في تنفيذ حملة نشِطة للنظافة تشمل البيوت والأبنية وربما تشمل الأحياء التي كثيراً ما تزدان بالزينات والأنوار الملونة المتلألئة؛ حتى إذا حلّ العيد ارتدى كلُّ ما في المدينة أثواب الجمال، وتلاقت الأيدي المتصافحة تتبادل التهاني وتزرع الأماني ناسية أو متناسية كلّ الهموم والتعقيدات التي لوثت الحياةُ الماديةُ بها النفوس. أما الأطفال فإنّك لتجد الفرحة تتّقد في عيونهم وتزداد تألقاً بما يلبسون من جديد الثياب الزاهية وماينالونه من الألعاب والحلوى ولذيذ الشراب...

     لاشكّ في أنّ هذه الصورة الحالمة المتألّقة لن تكون متطابقة بهذا الوضوح مع ما يجري في كلّ أنحاء المدينة، رغم كل ما تفترضه الأنظمة والقوانين من أنواع المساواة في الحقوق والضرائب والواجبات بين الأحياء ومن فيها، فثمة أحياءٌ فقيرةٌ ماتزال تبدو مُهمَلَةً تُجافيها يد الحضارة مفسحةً المجال لحالةٍ من الركود الكابت للإحساس بالجمال؛ حيث الاختلاف ليس فقط في ترتيب البيوت وما كوَّنها من الداخل والخارج؛ بل حتى في الأرصفة والشوارع وبقية المرافق المتهالكة وما تراكم أو تناثر في زواياها من الحفر والأتربة والنفايات. ولاشكّ أيضاً أنّ العيد يمرّ بأهل تلكم  الأحياء؛ لكنّه لن يكون قادراً على تفعيل تحريض الإحساس بالجمال بنفس القوّة التي بدت فيما يسمّى بالأحياة الراقية، فبالإضافة إلى ما للفقر من أثر في توجيه استثمار الوقت والمال والطاقات؛ فإنّ معظم أهل تلك الأحياء يشعرون بالغبن والحيف؛ خاصة حينما يتذكرون أنهم يؤدون مرغمين جميع التزاماتهم المالية تجاه الخزينة العامة؛ فيدفعون ضريبة النظافة "المفقودة" والأملاكية و رسوم التعبيد والتزفيت... وما إلى ذلك من رسوم تؤكد وجود المساوة بين المواطنين. وأكاد أجزم بأنّ هذا الشعور بالغبن لابدّ وأن يعصف بكل ماقد يفرزه الإحساس بالجمال من رغبة في التعاون؛ ولهذا فإنّ العيد هناك سوف يقتصر على بعض المظاهر الخجولة المتوارية خلف الجدران، فيما يتبادل الكبار التهاني أيضاً ويخرج اللصغار كعادتهم وبشكلٍ عفوي إلى الحواري التي تضج بصيحاتهم وضحكاتهم وهم يلعبون ويمرحون ويشترون بعض الحلوى من الدكاكين المفتوحة...

     أجل...، ليس ثمّة شكّ في أنّ الأعياد هي مواسم خصبة للجمال. ولعمري فإنّ تلك هي الغاية من وجودها، فهي مواسم تجديد وصيانة للذات وكل ما حولها؛ وهي مواسم محبّة وتآخٍ وتآلف وتراحم...، ولهذا فإنّ علينا أن نُثَمِّرَها في تحفيز الإحساس الدائم بالجمال وتحويله إلى حالة متطورة من الوعي الجمالي تفلح في الحفاظ على جمال كل ما حَولَنا؛ فنستمرّ في ممارسة الجمال الذي أنتجته "حالة الطوارئ" وفي تعليم أطفالنا وأسرنا كيف نحافظ على نظافة ونقاء وجمال ماحولنا...، ولعلّ ما يؤكده العيد من التراحم في نفوسنا ينجح في تنمية روح  التعاون بيننا؛ فيحرص الجار على جاره ويرأف الأخ بأخيه ويُحِسُّ المسؤول يواجبه تجاه كل أبناء وطنه فيحرص على تحقيق العدل والمساواة في مجال الاهتمام بشؤونهم أينما كانوا مؤكداً الحرص على أن لا تتحول الأحياء البعيدة عن العيون والعدسات إلى تجمّعات مُهمَلَةٍ  ومُهْمِلَة أو إلى زوايا شبه ميتة...*

‏الثلاثاء‏، 23‏ كانون الاول‏، 2008



أضف تعليقا