الرهان الخاسر
http://www.husamdeen.jeeran.com//
http://www.husamdeen2.jeeran.com//
husamdeen@hotmail.com
husamdeen@mail2syria.com
husamdeen@maktoob.com
محمد حسام الدين دويدري
ثمّة سؤال لم أزل أجده يسجّل حضوراً قويّاً مُلِحّاً في بصيرتي كلما أمسكت بجهاز التحكم قاصداً استكشاف حركية التطور المذهل الذي طرأ في السنوات القليلة الماضية على المشهد الإعلامي العربي؛ ساعياً إلى معرفة آخر ما أنجبه "عالم الفضائيات" من مواليد: " ترى ماهو الهدف من تناسل كلّ هذا الكم الهائل من المحطات التلفزيونية؟، وهل هناك استراتيجية إعلامية عربية موحّدة لرسم مسارات عملها بما يخدم مصالح الأمّة ويؤكّد انتماءها ووحدة مصيرها؟". ومع أنّ الإجابة معروفة ولا تحتاج إلى كبير عناء؛ فإنّ حالة الذهول التي يعيشها الإعلام العربي كانت هي الدافع المُحرِّض على هذا التساؤل. ففي حين يجنّد الإعلام المعادي كلَّ طاقاته في خدمة المصالح الصهيونية ومصالح الدول الباغية؛ فإنَّ كثيراً من وسائل الإعلام العربي نجدها تنصرف إلى عرض مالاطائل وراءه؛ مما يُرَمِّدُ الوقتَ ويَهدُرُ الطاقات ويحرِّض على التراخي دون أن يُقدِّمَ للأجيال أدنى فائدة تُذكَر، صحيح أنّ الفضائيات الملتزمة ومنها الدينية قد أخذ انتشارها تزايداً ملحوظاً في الآونة الأخيرة؛ لكن وحتى تلك القنوات فإننا نجدها بقيت مُخدّرة في إطارها الضيِّق المرسوم لها بعيدةً عن كلِّ ما يجري على الأرض سائرةً في ركاب التشاغل المفضي إلى الذهول والنسيان؛ وكأنّ الدماء التي تسيل والحقوق التي تُسلَب والكرامة التي تُهدر أمور ثانوية في حياتنا اليومية. فكم هو محزن أن تتابع تلك القنوات مسيرة الذهول أوالرقص و الغناء ومشاهد العري المخزية فيما أطفال غزّة يغرقون في الظلمة والحصار والقتل والدمار وأبناء العراق يُهانون ويذبحون وتستباح أعراضهم...!.
ستون عاماً مرّت على أقذر جريمة عرفها تاريخ البشرية على وجه الأرض، حينما صدر قرار ما يسمى بالشرعية الدولية بإقرار تنفيذ فصول "الخديعة" المرسومة واقتلاع شعبٍ آمنٍ من أرضه لتحقيق وعدٍ جنوني قطعه "بلفور" بإقامة وطن للصهاينة على أرض اعتبر نفسه مالكاً لها بمن عليها. في تلك الأيام ورغم كل الهجرات اليهودية التي تسربت إلى أرض فلسطين كانت نسبة اليهود لا تزيد على 8%، فراهن الباغون على قدرتهم في تغيير معالم الوجود العربي في تلك الأرض المقدّسة، وأُطلِقَتْ يد العصابات الصهيونية لتمارس أبشع أنواع القتل والإرهاب والطرد بمؤازرة الاستعمار البريطاني مستغلة ضعف وتهالك النظم الرسمية العربية. وهكذا أقيمت دولة الكيان على أشلاء 531 مدينة وقرية فلسطينية هُجِّر أهلُها ليتفرقوا في الأرض حاملين مفاتيح بيوتهم وحلم العودة بانتظار فجرٍ جديد. أما أولئك القتلة فاستمروا في رهانهم ممنين أنفسهم بأن الزمن كفيل بتثبيت الواقع المفروض وأنّ جيل النكبة سيزول ليحلّ محله جيل جديد يستمرئ الشتات ويرضى بالفُتات ويقبل بالغربة وطناً بديلاً...، لكنَّ ذلك الرهان تبيّن أنه رهان خاسر بكل معاييره ونتائجه؛ إذ استمرّت المقاومة الباسلة لأبناء فلسطين وبقيت مفاتيح الدور العتيقة إرثاً ثميناً يتناقله الأبناء مقسمين على العودة التي سوّغتها وكفلتها لهم كلّ القيم والشرائع على الإطلاق بما فيها ذلك القرار الجائر الذي أوجد الكيان البؤرة والذي أقرّ صراحة عودة اللاجئين إلى مدنهم وقراهم وبيوتهم المغتصبة، ذلك القرار الذي رفضت سلطات الاحتلال الصهيوني تنفيذ البند الذي يشرّع العودة، مما يعني أنّ وجود تلك الدولة المزعومة لم يكن شرعياً حتى في مقاييس تلك الشرعية الدُوَلية المصطنعة. وهاهو مؤتمر "حق العودة" الذي احتضنته دمشق مؤخراً بمشاركة أكثر من خمسة آلاف شخصية من أنحاء العالم يَعقد العزم على التمسك بحق العودة ورفض التجنيس والتوطين وكل المشاريع المصنّعة في مخابر السياسات الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية، وذلك انطلاقاً من مبدأ ثابت يؤكّد أنّ هذا الحق راسخٌ غيرُ قابلٍ للتصرف، أو التنازل عنه او المساومة عليه او الانتقاص منه وأنه حقٌ مُطلَقٌ لا يسقط بالتقادم ولاتملك أية جهة التنازل عنه أو التفريط به أو طرح الاستفتاء عليه؛ فهو ليس مُلكاً للحاضر، بل لكل الأجيال المتعاقبة. ومن هذا المنطلق فإنّ ثقافة المقاومة تبقى هي الخيار الأمثل والسبيل الأجدى لتحقيق العودة وضمان هذا الحق...
ويبقى السؤال الملحّ مفتوحاً أمام الإعلام العربي الغارق في الذهول عن مدى وعيه لدوره وإمكانية خروجه عن مسار الدور الذي يعين البغاة على تحقيق رهانهم الخاسر...
الاربعاء، 26 تشرين الثاني، 2008










أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية