الرعب في حلب
http://www.husamdeen.jeeran.com//
http://www.husamdeen2.jeeran.com//
husamdeen@hotmail.com
husamdeen@mail2syria.com
husamdeen@maktoob.com
محمد حسام الدين دويدري
مرّت سنوات عديدة لم أَرَهُ خلالها سوى عبر الشاشة الصغيرة؛ حيث كان يعمل مراسلاً لإحدى القنوات الإخبارية الفضائية الشهيرة؛ لكنني وجدته منذ أيام يدخل عليّ مكتبي بابتسامته المعهودة وصوته المميّز معللاً نفسه بجرعة دسمةٍ من الذكريات، فلطالما دفعه الحنين إلى الوطن إلى زيارة حلب بين مدّة وأخرى للاستمتاع ببعض النفحات الدافئة واستحضار ماتسعفه به الذاكرة من صور طواها الزمن. مَرَّت ساعة أو أكثر؛ وجدته خلالها شغوفاً بالاطلاع على ما وجده على مكتبي من قصائد. كان كلّ واحد منا يجتهد في معرفة آخر أخبار زميله وماتوصّل إليه من نتاج، لكن ثمّة سؤال وجدته يقفز من فمي: "كيف وجدت حلب بعد طول غياب...؟!". التمعت على وجه صديقي ابتسامة مُرّة تنهّد في إثرها بعمق قائلاً: "حلب...؟، لم أجد حلب الوادعة الجميلة التي عهدتها وتخيلتها؛ بل وجدتُ مدينة لاهثةً شوهتها فوضى السيارات والشوارع المرقّعة المصابة بأورام المطبّات وكذلك الأرصفة الوعرة المتهالكة والحاويات الطافحة بالقمامة...، صحيح أنّ المدينة قد توسعت وأنّ مبانيها قد كَثُرَ في أحيائها الزُخرُفُ الباذخ الجميل؛ لكنّ الذي بدا لي منذ الوهلة الأولى أنّ سُكّانها ليسوا كما عهدتهم، فهم لا يخلصون في محبتها كما يجب، وكأنّ نوعاً من الأنانية قد بدأ يتفشى في صدورهم، فهذا يرمي مافي يده من بقايا على الرصيف وفي عرض الشارع وذاك يقود سيارته بطريقة جنونية وكأنه في سباق مع الآخرين غير آبه بعواقب أفعاله، وآخر يسعى لاقتناص الرشوة مستغلاً كلّ الفرص التي توهم أنَّ صرامة القانون قد أتاحتها له...، ناهيك عن الباصات القديمة المهترئة التي عجبت لإبقائها في الخدمة رغم ما تنفثه من سموم مميتة تلوث البيئة... "، ثمّ إنه مالبث أن أخرج من حقيبته بعض الأوراق متابعاً: "هذه مقالة جديدة كتبتها على وقع زيارتي الأخيرة لمدينتي الحبيبة حلب وأنوي نشرها في إحدى صحف العاصمة...". تناولت ما في يده من أوراق ورحت أقرأ ماكتب؛ وقد شدّني العنوان: "الرعب في حلب"؛ حيث وجدته يصف بدقّة الطريقة الفوضوية المرعبة التي غدا فيها أهل حلب يقودون مركباتهم وما يمكن أن يتعرض له زائرها من مخاطر إن هو قاد سيارته في شوارعها حيث لا وجود للذوق الحضاري عند كثير ممن يتحكمون بمقاود سياراتهم؛ مشيراً إلى أنه لاحظ خلال فترة إقامته في "بروكسل" أنّ العديد من المحاكمات التي رفعت بحق بعض المتهورين في قيادة السيارة كانت بجرم "الشروع بالقتل" وأنّ الهاجس الدافع إلى ذلك الاتهام هو الحرص على الحياة الإنسانية...
كانت تلك اللحظات مشحونة بالانزعاج والغيرة على سمعة هذه المدينة العريقة؛ إلا أنني لم أستطع إبداء أي اعتراض على ماكتبه ذلك الزميل. لأنّني - وبكل أسف – وجدت كلّ ما كتبه واقعياً وصحيحاً دون أي مغالاة، ولطالما كنت أتساءل في نفسي خلال تلك الأثناء: إذا كانت هذه هي نظرة ابن البلد؛ فكيف هي نظرة الزوار والسائحين...؟!. أليست الشوارع وما عليها من ثابت ومتحرّك هي المظهر الذي يؤسس الانطباع الأول في نفس الزائر...؟!؛ فلماذا- إذاً - لا نحرص جميعاً كمواطنين وكمسؤولين على ترسيخ الصورة الحضارية في مجتمعنا سواء من خلال أنشطتنا الفردية الخاصة أم من خلال حركتنا في إطار المجتمع...؟. فلنوقظ الحس الجماعي في ذواتنا المنهمكة في الرغائب؛ عساها تدرك حجم الأزمة التي راحت تلوح في الأفق؛ ولنُحسن ضبط وتوجيه ممارساتنا كي نكون قدوة لأبنائنا قبل أن ننثر في وجوههم التوجيهات التي لن يتقبلوها ولن تفيدهم ما لم يشهدوا سلامة ممارساتنا اليومية البادية أمامهم، فحلب التي كان جمالها وحسن ترتيبها عاملاً في نيلها وسام أجمل مدينة في الشرق العربي في يوم من الأيام من حقها علينا أن نحافظ على مظهرها الحضاري وأن نصون بيئتها من كل ما يشوّه حاضرها ويحرف مسيرة تاريخها المنتظر...*
الثلاثاء، 25 تشرين الثاني، 2008









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية