العِبَر من قسوة الخبر
محمد حسام الدين دويدري
رحل رمضان بأيامه النقية ولياليه التقية؛ تاركاً ظلالَه سطوراً جديدة في دقتر الذكريات. وهكذا هي دورة الحياة، تطوي الصفحاتِ المتلاحقةَ في تواترها الأزلي؛ محوّلة الحاضر إلى ماضٍ تقرؤه الأجيال لتستفيد من عِبَرِه. وحينما نتذاكر هذا المنطق لابدّ أن نحفّز في نفوسنا الحرص على جعل حاضرنا زاخراً بالعطاء؛ ليس فقط إرضاءً للأجيال القادمة وتلافياً لتنكّرها لذكرانا؛ بل طاعة لله وتأكيداً للهدف الحقيقي وجودنا، وكما قال مصطفى صادق الرافعي فإنّ من لم يعمل خلال مسيرة حياته على زيادة الرصيد البَنَّاء في الحياة كان هو زيادةً عليها. ولعمري إن هذا الحافز كان الهاجس الفريد الذي تحرّك في نفوس كلّ من ساهم في بناء الصورة الشامخة الزاهية التي ألقت بأطيافها المُشْرقة المُشَرِّفة على صفحات التاريخ في مثل هذه الأيام؛ وتحديداً قبل خمسٍ وثلاثين سنة خَلَتْ. ففي السادس لشهر تشرين الأول من عام 1973 أضاء القائد الراحل حافظ الأسد شعلة بدء حالة من التضامن العربي أراد لها أن تكون القفزة الأولى في طريق بناء الأسرة العربية المتماسكة عبر إرادة صلبة تجسّدت في وحدة الرأي والهدف، كانت فرحة الأرض العربية كبيرة وهي تحتضن القلوب النابضة بالإيمان من مختلف أقطار الوطن الواحد، فامتزجت دماء الشهداء بالثرى الطاهر لتؤكد وحدة الانتماء وقدسية الهدف. كنت أقرأ في عيون الأطفال يومها ولادة فجرٍ جديد ذوت فيه مشاعر العجز وأشواك اليأس ولوعة القهر ونبتت فيه بذور ثقافة جديدة عمادها الشموخ والعزّة ومدماك أُسِّها محبة الوطن. وبقدر ما كانت هذه الصورة المضاءة بالأمل مبعث تفاؤل مشجِّعٍ في نفوس العرب كانت مصدر قلق وخوف في نفوس أعدائهم؛ فسارعت القوى الباغية إلى إعادة ترميم خططها الاستراتيجية الساعية إلى إذكاء نار الفتنة وتحريض النزعات القطرية والطائفية والمذهبية وغرس بذور التشكيك والتفكيك؛ ليس فقط بين الأقطار؛ بل بين أبناء القطر الواحد سعياً نحو وأد حالة التضامن الوليدة...
وها نحن نرى اليوم؛ ونحن نستعيد ذكرى العزّة والكرامة؛ ما آلت إليه حال العرب من تمزق وتشرذم وتناحر؛ بل وتآمرِ مَنْ تناسى وحدة الدم والتراب. أليس مؤلماً أن نرى من يندَسُّ بيننا ممن تورطوا في بيع نفوسهم رخيصة ولطخوا وجوههم بدماء الأبرياء...، كم كان مشهد شهداء دمشق ثقيل الوطأة على قلوبنا. لم نصدّق الخبر عند الوهلة الأولى؛ لكننا مالبثنا أن تنبهنا إلى أنّ مثل هذا العمل الجبان ليس إلا دليلاً أكيداً على انزعاج القوى الباغية ومن سأر في ركابّها من تمكن سوريا من كسر حالة الحصار التي حاولت تلك القوى فرضها عليها لكونها قلعة الممانعة الصامدة والمتمسكة بالثوابت العربية، وعلى الرغم من أنّ هذا العمل الإرهابي القذر يُمَثِّلُ حالة اختراق للصف الشعبي المتماسك في سوريا؛ إلا أنه غدا بمثابة منبّه صارخ يحفّز في نفوسنا ضرورة تحفيز الانتباه واليقظة؛ فكلّ مواطن في هذا القطر يشعر بالمسؤولية تجاه أمن وطنه ويدفعه هذا الشعور إلى مراقبة كل ما حوله وإبلاغ الجهات المختصة بكل مايثير الريبة؛ فقد عرف المواطن العربي السوري باتّقاد حِسِّه الوطني الأصيل وتمسكه بمحبة الوطن وتمثله للثقافة الوطنية الممانعة لكلّ أشكال الاختراق والتشكيك التي يحاول مروجو ثقافة التراخي والاستسلام غزو الإعلام العربي بها عبر سيل البرامج الهدّامة التي باتت تغزو الشاشات صباح مساء...*
الثلاثاء، 07 تشرين الاول، 2008









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية