واحة الأدب

مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//

أصداء استغاثة

أصداء استغاثة

http://www.husamdeen.jeeran.com//

http://www.husamdeen2.jeeran.com//

husamdeen@mail2syria.com

husamdeen@maktoob.com

husamdeen@hotmail.com

محمد حسام الدين دويدري

 جوّال  095278048

 

بينما كانت أشعة الشمس تحاول بدفئها الحاني أن تغسل آثار الصقيع الذي داهم ساحات وشوارع المدينة فارضاً وجوده القسري على بيئتها؛ وجدت في نفسي رغبةً ملحّةً بالخروج من روتين الشتاء إلى مكان يوفر لي السكينة والصفاء والتمتع بنشوة الهدوء والجو النظيف وبعض الهواء النقي اللطيف ومتعة النظر في خضرة الأشجار الصامدة الراسخة بجذورها العميقة في الأرض العتيقة. كانت الحديقة العامة التي اشتهرت بجمالها حلب هي المكان المختار لهذه الرحلة. وكم علّلت نفسي خلالها بالتمتع بمرأى الإنجاز الحضاري الجديد الذي أعاد الحياة إلى مجرى نهر "قويق" مبشراً أهل حلب ببيئة صحية تعيد لهذه المدينة العريقة جمالها المسبي. وهكذا رحت أسير في محاذاة ذلك الغدير الواعد فيما راحت الصور النابضة تترى في خيالي المفعم بالأمل متصوراً الكثير من المنتزهات والمشاريع الواعدة التي يمكن لأهل المدينة إنجازها في استثمار التطور الجديد. لكنني سرعان ما صحوت من أحلام اليقظة فزعاً إثر ما فاجأني من مشاهد أفرطت في إزعاجي؛ مع أنني لست أنكر أنني كنت أتوقعها في ظل ما نشهده من غياب واضح للثقافة البيئية عن أسرنا، فمع أنني وجدت في الحشود الزائرة للمكان محبة لهذا المنجز الحضاري وإعجاباً به إلا أنني وجدت من الأطفال والشبان من يقوم وعلى مرأى ومسمع من ذويه برجم جسم النهر بما يقع في يده من الحجارة وعلب المياه الغازية الفارغة والأكياس التي ماتلبث أن يجرفها الماء بعيداًً ما لم تصادف ما تعلق به.

     أحسست بأنّ هذا المشهد كان يصفعني بقوة ليمحو نفحة البِشْرِ عن وجهي؛ فلم أتمالك نفسي؛ لأصرخ في وجوههم دون أن يأبهوا لصراخي. نظرت حولي باحثاً عن حراس الحديقة فلم أجد سوى أوراق وأكياس منتشرة على دروبها وفوق الجليد المتصلب في بركها الصامته. وماهي إلا لحظة حتى اقترب مني أحد الفضوليين قائلاً بلهجة توهم بأنه من العارفين بأحوال البلد: " لاتصرخ ولا تتعب نفسك ولاتكن فضولياً فإنك لن تتمكن من تربية الناس؛ ثم إن مايرمونه لن يؤذي فهذه الأشياء سيحملها الماء معه إلى مكان تتجمع فيه المياه في منطقة أشبه ما تكون بالمستنقع حيث أن مشروع مسار النهر لم يكتمل بعد وسيحتاج إلى أمثر من سنتين ليصل إلى السد المخصص بتجميع مياهه...".

      نظرت في وجه الرجل مستغرباً مستنكراً كلامه، هممت بالرد عليه؛ لكنه مالبث أن سارع بالانسحاب من أمامي متابعاً سيره. أما أنا فقد أحسست في تلك اللحظة أنّ حالة الصفاء التي كنت أنشدها مفقودة في ذلك المكان؛ ولهذا فقد قررت مغادرته.

     تابعت مسيري خارج الحديقة وقد تزاحمت في رأسي قبائل من الهواجس المتمردة على هذا الواقع وهي تشهر الأسئلة اللامعة حول جدوى فرض غرامات موجعة على من يقدم بمثل هذه التصرفات اللامسؤولة وحول مدى قدرتنا على تحسين المنتج القيمي والأخلاقي الذي نقدمه لأبنائنا ومدى قدرتنا على نشر الثقافة البيئية والوعي البيئي بين أسرنا؛ سواء أكان ذلك عبر مؤسساتنا التربوية والتثقيفية أم الإعلامية...

     ومع أنني اعتبرت كلام ذلك الرجل غير ذي أهمية لكن ثمة مخاوف كثيرة وجدتها تتنازع خيالي حول مصير تلك المياه  التي قال أنها تستقر في ذلك المكان الذي وصفه بالمستنقع؛ وحول مدى سرعة الجهات الفنية المنفذة في إيصال المشروع إلى الغاية التي وجد من أجلها قبل فوات الأوان...

     لست أدري، ربما كنت محقاً في صراخي...، وربما كنت أشعر لحظتها بأن صوتي كان يردد أصداء صرخة استغاثة أطلقها النهر الوليد عساها تصل إلى القريب قبل البعيد....*

‏الخميس‏، 24‏ كانون الثاني‏، 2008

 

 



أضف تعليقا

fabulass من الكويت
18 نوفمبر, 2008 10:25 ص
أهلا بكم في مدونة القاضي العربي Fabulass

http://fabulassworld.blogspot.com/

مدونة شاملة لمواضيع مختلفة تحتاج مشاركتكم .