واحة الأدب
مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//
.
.

السوق السوداء

السوق السوداء

http://www.husamdeen.jeeran.com//

http://www.husamdeen2.jeeran.com//

husamdeen@mail2syria.com

husamdeen@maktoob.com

husamdeen@hotmail.com

محمد حسام الدين دويدري

 جوّال  095278048

     ربما تدفعنا الرغبة المُلِحّة في السير الجاد على طريق الإصلاح إلى دراسة مختلف المؤشرات الاجتماعية بمنطق علمي نقيٍّ مجرّد يعتمد المنهج التحليلي الجريء؛ مادام الحرص على الوطن وأمنه الاقتصادي والاجتماعي هو الهدف.

     ولعلّ تنامي دور "سوق العتمة" - أو مايدعى بالسوق السوداء - في حياة المجتمع من أهم المؤشرات التي تحتاج إلى دراسة واعية ثاقبة تستكشف الأسباب وتبحث عن الحلول...، لاشكّ في أنّ هذه السوق موجودة في كلّ المجتمعات وليست حكراً على مجتمعنا؛ بل هي وافدة عليه وطارئة في تاريخه؛ وهذا مايدفع إلى الغرابة في أمر استفحال دورها في زمرة جوائح مزمنة ألمّت بمجتمعنا الذي يفترض أن يكون مُحًصَّناً عبر منظومة متماسكة من القيم التي تعصم أفراده...!

     وعلى الرغم من أنّ تعبير "السوق السوداء" يبدو في غرابة تركيبه مثيراً للضيق؛ فقد بات في كثير من الأحيان يمثّل فرجاً لأمور كثيرة تهم المواطن البسيط. فالذي تدفعه الحاجة إلى اقتناء أسطوانة غاز يجد في تحقيق ذلك صعوبة تكاد تصل إلى حدّ الاستحالة إذ يصطدم بالكثير من العقبات التي تحول بينه وبين إمكانية شرائها بشكل نظامي وبالسعر النظامي؛ مما يضطره إلى شرائها من سماسرة الأزمات بثلاثة أضعاف ثمنها الحقيقي على الرغم من أنها منتج محلي وليست مهرّبة من خارج الحدود...

     ولعلّ ما يقال في هذا المجال ينطبق أيضاً على مادة الإسمنت التي باتت مصدر إثراء غير مشروع لكثير من الضالين الذين تحولوا إلى حيتان جشعة لا تأبه بالأخلاق والقيم فمارسوا النصب والتزوير والرشوة وسلكوا كل الطرق الملتوية والموبقات التي تسهل عليهم تهريب هذه المادة الاستراتيجية الهامة من مصانعها الوطنية عبر شاحنات جوالة تعبر بها ضوء النهار إلى سوق الظلام الذي بات يوفّر لكل من يريد ما يريد بأسعار تعلو وتهبط  وفقاً لتواترات العرض والطلب..

     أما الأسمدة الزراعية فشأنها أيضاً معروف لدى المزارعين الذين كثيراً ما يشترون احتياجاتهم منها من السوق السوداء التي تحتوي بكثرة وبأسعار متواترة أيضاً على ذات الأصناف التي توزع عبر الجمعيات الفلاحية والجهات المختصّة، وكثيراً ما تتقافز أسئلة العارف في صدور  المضطرين إلى شرائها: "مادامت هذه الكميات متوفرة فمن أين تصل إلى السوق السوداء وكيف...؟!"

     لا شكّ في أنّ هذه السلع الثلاث ليست الوحيدة؛ بل هي أمثلة بارزة تدلّ على أنّ تعبير "السوق السوداء" لا يقتصر فقط على المواد والسلع المهرّبة عبر الحدود والتي  قد يلجأ المستهلك إليها للحصول على منتجات أجنبية ربما يجدها بأسعار أدنى من المنتجات المستوردة الخاضعة للضرائب والرسوم الجمركية. ومع أنّ الحركة التجارية من بيع وشراء ومبادلات تجارية هي ظاهرة اقتصادية صحية وهامة في حياة المجتمع إلا أنها تغدو وبالاً عليه حينما تتم في السوق السوداء التي تشير إلى وجود نوع شرس من الفساد الإداري والأخلاقي يحتاج إلى السرعة والجرأة في معالجته. فحركة البيع والشراء تتم فيها بعيدا عن رقابة السلطات المختصّة إما بهدف التهرب من الضرائب أو لكون مصدر سلعها غير شرعي، وكلا الأمرين يحقق الضرر بالاقتصاد الوطني مما يقتضي سن تشريعات تُطبق عقوبات صارمة على المتعاملين في هذا الإطار القاتم إن وقعوا فعلاً في قبضة العدالة. ومما لاشك فيه أنّ هذه السوق تتنامى حينما تختل موازين العرض والطلب فيزداد الطلب على سلع مفقودة أو شحيحة الوجود...، وهنا تقفز في وجوهنا حزمة من الأسئلة  الجادة الحادة: من أين تصل هذه المواد والسلع إلى سوق الظلام... وكيف؟!، هل هناك من يفتعل الأزمات كي يستفيد منها ويستثمرها لحسابه الخاص...؟، ألا يدل هذا المؤشر على غياب الشفافية في بعض المواقع الهامة..؟، ثم ألا يمكن الاستفادة من التقانات الحديثة ومفهوم الحكومة الإلكترونية في ضبط الأمور...

     إنها أسئلة كثيرة لامناص أمام  القائمين على رعاية مصالح الوطن والمواطن من التفكير في الإجابة عليها...، لكن الأهم من كل ذلك أولاً أن نسأل جميعاً أنفسنا عن كلّ القيم والفضائل التي تشكل وحدها درهم الوقاية الذي يقينا من أن نكون في عداد أولئك الخطائين فيما لو كتب لنا أن نتربع في أحد مفاصل المسؤولية...*

‏الاربعاء‏، 09‏ كانون الثاني‏، 2008

 


ل عام وأنتم بخير
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.