واحة الأدب

مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//

من التسول إلى التحوّل

     لم يكد حديثي السابق حول الظواهر المشوِّهة في رمضان يُنشَر حتى بدأت ردود الأفعال تتوارد إلى بريدي الإلكتروني لتضيف أو تُعَقّبَ أو تناقش. لكنَّ ما لفت انتباهي في تلك المحاورات الافتراضية هو ذلك القاسم المشترك الذي وجدته يركّز على ظاهرة "التسوّل" ويطرح العديد من التساؤلات التي يجدر بالجهات ذات الاختصاص والجهات الأكاديمية الوقوف عندها لدراستها بإمعان والبحث في أنجع الحلول الممكنة التي تفتح المجال أمام المجتمع للخلاص منها: "ماهي أسباب تزايد انتشار هذه الظاهرة...؟؛ هل هو تزايد الفقر وانتشار البطالة...؟ أم وجود خلل أخلاقي أو ثقافي أو نفسي..؟؛ خاصة وأنّ الملاحظ أنّ كثيراً من هؤلاء المتسولين هم من الشباب القادرين على العمل؛ بل إنّ النسبة المتزايدة منهم هي من فئة الأطفال؛ وهذا مايثير القلق والاستغراب، ثمّ أليس في الزوايا المظلمة والأحياء النائية من المجتمع كثير من العائلات الفقيرة التي تحتاج إلى إغاثة وليس فقط إلى إعانة ودون أن تمدّ يدها طلباً واستجداءً للمساعدة؟!، وماهو الدور المأمول من المؤسسات الأهلية في المجتمع من جمعيات خيرية وجمعيات متخصصة في التنمية؟، وهل تستطيع الجهات الحكومية في هيكليتها الحالية وما ينخر في عمودها الفقري من الخلل والفساد لعب الدور المناسب للقضاء على التسول...؟!".

     تلك كانت أهم التساؤلات التي وردتني والتي لم أشعر أنها لمجرد الانتقاد بل وجدت فيها حرص من طرحها على المساهمة بشكل أو بآخر في كل ما يدعم السير بالمجتمع نحو تصحيح المسار. وفي الحقيقة فإنّ من يراقب هذه الظاهرة يلاحظ بالفعل أنّ نسبة كبيرة من الأطفال المتسولين باتوا يتقنون "فن التسول" مبتدعين العديد من الطرق والأساليب المباشرة منها وغير المباشرة؛ وكأنهم منخرطون في عصابات يديرها مدربون محترفون يوزعون المهام بينهم ليجنوا مايحصدون!؛ وكل ذلك دون أن يعترض سبيلهم أي عنصر ممن يفترض أن يكونوا مكلفين بمكافحة التسول. ربما يشاطرني كثير من ذوي الاختصاص الرأي بأنّ أمثال هذه الحالات باتت تدق نواقيس الخطر منذرة بتحولها إلى عصابات منحرفة، وقد همس بعضهم في أذني أنّ هؤلاء المتسولين حينما يقبض عليهم في بعض الحالات فإنهم يودعون في السجن مما يؤدي إلى اختلاطهم بمرتكبي الجرائم ومروجي السوء وأصحاب السوابق فيزيد ذلك في انحرافهم عن جادة الصواب. على أنني لم أجد نفسي منكرة لهذا الرأي مع أنني قرأت منذ مدة أنّ وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل كانت قد قامت بخطوة جيدة في هذا المجال وذلك بتأسيس معهد متخصص لتأهيل المتسولين وأنّ هذا المعهد مهمته تعليم المتسولين بعض الحرف التي تساعدهم على العيش الشريف؛ وكانت بعض الأنباء قد ذكرت أنّ مجلس الشعب شكل لجنةً خاصة لدراسة ظاهرة التسول واقتراح الحلول الملائمة لمعالجتها...، ومع اقتناعي بأنّ فكرة مثل هذه المعاهد جيدة ومن الممكن أن تكون مثمرة في الحالات الصحّية إدارياً؛ إلا أنني لا أتوقع لها النجاح في إطار الواقع الحالي الذي ينثر علامات الاستفهام حول مدى امتلاك تلك الوزارة للإمكانات المادية والبشرية التي تساعد على أنجاح هذا المسعى؛ ابتداءً بالتمويل المادي لورشات العمل التي يفترض أن تكون منتجة وانتهاءً بتأمين الكوادر الإدارية المتخصصة والنزيهة التي تستطيع إدارة هذا المشروع الخطِر بأمان للوصول به نحو الهدف المأمول، وفي هذا المقام قفزت إلى ذاكرتي كلمات السيد رئيس الجمهورية حينما قال: " لاتتكلوا على الدولة ولا تدعوا الدولة تتكل عليكم بل دعونا نعمل كفريق عمل واحد"، ووجدت بصيرتي توجهني إلى ضرورة التعاون المشترك بين الجهات الحكومية المتخصصة وجمعيات أهلية وطنية يمكن تأسيسها لهذا الغرض تقوم بجمع الهبات والتبرعات لصالح إنشاء ورش تشغيل منتجة وسوق خيري لتصريف تلك المنتجات بشكل مشرّف ومقبول يعود بالنفع على الأيدي المستصلَحَة، بحيث يعمل في الإشراف المباشر عليها متطوعون تنامت لديهم ثقافة العمل التطوعي والخيري وتحت رقابة الجهات الوصائية، على أن تؤازر هذه الهيكلية قوى أمنية بلباس مدني مخصصة لهذا الغرض تكون مؤهلة نفسياً وعلمياً؛ تقوم بالقبض على هؤلاء المتسولين بعد مراقبتهم بشكل جيد ومدروس للتأكد من وضعهم النفسي والمالي ومن مدى ارتباطهم بهيكلية تمتهن التسول لتجعل من هؤلاء المتسولين عصابات متخصصة غالباً ما تتسلط على الأطفال لتجبرهم على الانخراط في هذه المجموعات التي غالباً أيضاً ما تحرفهم عن الطريق السوي وتدفعهم إلى مهاوي الجريمة المنظمة...، وبعد القبض على هؤلاء يتم إيداع كل متسول في المكان الملائم لإصلاحه نفسياً ومهنياً تمهيداً للإسراع بنقله إلى الورش المنتجة المقترحة محققة في ذاته مايستجيب له من التحول من شخصية سلبية إلى إيجابية منتجة...

     لست أزعم أنني أبدعت في ابتكار الحلّ، لكنها مجرد محاولة أردت من خلالها المساهمة في الرأي مشيراً إلى ضرورة تنمية ثقافة التطوع لدى الفرد والمشاركة الفاعلة لمؤسسات المجتمع المدني وفقاً لهذا المفهوم في معالجة الأزمات الاجتماعية والابتعاد عن حالة التواكل على الحكومة في كل شيء، لأننا معنيون جميعاً بإصلاح واقعنا الذي لامناص سوف نُسأل عنه أمام محاكم التاريخ وفي حضرة الله يوم الفزع الأكبر....*

 


ـكبادنا تمشي غعلى الارض


رمضان كريم



أضف تعليقا

maysaa966 من سوريا
30 سبتمبر, 2007 08:06 م
د حسام
الخلل الثقافي سبب وجيه من عدة اسباب لهذه الظاهرة
نحن بحاجة الى نشر ثقافة موازية تقف في مواجهة السائد الى جانب اي برنامج اصلاحي عام او خاص
العمل الميداني لا يكتمل بدون حملة توعية تروج له وترافقه ومن ثم تقيم النتائج
اشكرك د حسام على زاويتك دمت لنا اخا عزيزا
تعلم مودتي
ميساء
husamdeen2 من سوريا
01 اكتوبر, 2007 09:45 ص
أختي ميساء...
صدقت...؛ فلاشك أنّ الثقافة هي المدماك الأساس الذي يمكن أن نؤسس عليه بناء المجتمع، وليست الثقافة علماً أكاديمياً بل سلوكاً مشحوناً بالقيم التي تزهر في النفس وعي الجمال، ولعلّ أول مانريده في هذه الثقافة من مكونات أنْ نبرز للناس جوهر "الحب"،أن نعلم الناس معنى الحب...؛ كيف يحبون أنفسهم من خلال محبتهم للحياة بكل مكوناتها، والحياة هي الوطن وهي المحيط... وفي الحب الجوهر تذوب "الأنا" لتتحول إلى "نحن"...
العوامل كثيرة ولعلّ العامل المادي هو الحامل وهو أيضاً بالتالي المعيق حينما ينضب...
نحن بحاجة إلى الحب الذي يبني فلا يهدم
الحب الذي يدفع النفس إلى التطوع في سبيل سعادة الآخرين وبذلك تسعد النفس الراقية المطمئنة النابضة بالقلب السليم......
لك محبتي وتقديري
رصيف واحد يجمعنا على شواطئ الكلمة

حسام
sham4me
03 اكتوبر, 2007 10:41 م
أسعد الله مساءك ....... لا فض فوك ... أستاذي لن أعيد ما قلت عن التسول .. لأنني أعتقد أنك ذكرت كل ما يمكن أن يقال ... لأنها ظاهرة .. قسماً ليتقطع الفؤاد لها ...
فنقع بين حيرة " الردع والدفع للمساهمة في إبطال مفعول تلك العصابات ، والمنع من الإعطاء .. خشية استظراف هذه الصنعة المسلية والمدرَّة على المتسول نفسه بالمال الوفير .. بمجهود قليل ...
وبالتالي نحن نساهم في استمرارها ...

وهو كما أشار الأخ أحمد الشقيري جزاه الله عنا كل خير حول هذه الظاهرة المؤلمة ... في مسلسله الرائع على الدوام خواطر شاب .. من كوننا أول عامل تأكيد وتأييد لهذه الظاهرة .. وهنا يكمن الطرف الثاني من الحيرة التي تكلمت عنها ...
وهي حيرتنا مع الآية التي تقول .." وأما السائل فلا تنهر " وأنا شخصياً لا أستطيع أن أمنع نفسي من حفنة قليلة من النقود تستقر في أيدي هذا الذي تضرع توسلاً أو ذاك الطفل الذي يرجو ولو أقل شيء .......

فماذا نحن بفاعلين أكرمك الله ... أنرد أيديهم المشققة ..
أم نربت على أكتافهم .. ونقول لا حول ولا قوة إلا بالله ...

مع محبتي .. نور الشام
husamdeen2 من سوريا
07 اكتوبر, 2007 08:44 ص
الأخت الغالية نور الشام
تحية محبة وتقدير
المشكلة كما قلت في غاية التعقيد والخلاص منها ومن آثارها ليس بالأمر السهل ولا بالسريع، خاصة وأنّ العنصر التثقيفي مايزال غائباً عن خططنا التنموية
يذكر لنا التاريخ أنّ عهود النور لم يكن فيها تسول ولا متسولون، لأنّ ثقافة "الإيثار" والتكافل وأنفة وعزة النفس كانت سائدة في النفوس...
مرة أخرى نجد أنفسنا مضطرين لوضع الإعلام أمام قوس المحاكمة...
سنتابع البحث وتقصي العلل والأدواء
ومعاً لابدّ أن نصل إلى مجتمع مستنير مادمنا نمارس التفكير...
لد احترامي وتقديري ومحبتي
حسام