لم يكد حديثي السابق حول الظواهر المشوِّهة في رمضان يُنشَر حتى بدأت ردود الأفعال تتوارد إلى بريدي الإلكتروني لتضيف أو تُعَقّبَ أو تناقش. لكنَّ ما لفت انتباهي في تلك المحاورات الافتراضية هو ذلك القاسم المشترك الذي وجدته يركّز على ظاهرة "التسوّل" ويطرح العديد من التساؤلات التي يجدر بالجهات ذات الاختصاص والجهات الأكاديمية الوقوف عندها لدراستها بإمعان والبحث في أنجع الحلول الممكنة التي تفتح المجال أمام المجتمع للخلاص منها: "ماهي أسباب تزايد انتشار هذه الظاهرة...؟؛ هل هو تزايد الفقر وانتشار البطالة...؟ أم وجود خلل أخلاقي أو ثقافي أو نفسي..؟؛ خاصة وأنّ الملاحظ أنّ كثيراً من هؤلاء المتسولين هم من الشباب القادرين على العمل؛ بل إنّ النسبة المتزايدة منهم هي من فئة الأطفال؛ وهذا مايثير القلق والاستغراب، ثمّ أليس في الزوايا المظلمة والأحياء النائية من المجتمع كثير من العائلات الفقيرة التي تحتاج إلى إغاثة وليس فقط إلى إعانة ودون أن تمدّ يدها طلباً واستجداءً للمساعدة؟!، وماهو الدور المأمول من المؤسسات الأهلية في المجتمع من جمعيات خيرية وجمعيات متخصصة في التنمية؟، وهل تستطيع الجهات الحكومية في هيكليتها الحالية وما ينخر في عمودها الفقري من الخلل والفساد لعب الدور المناسب للقضاء على التسول...؟!".
تلك كانت أهم التساؤلات التي وردتني والتي لم أشعر أنها لمجرد الانتقاد بل وجدت فيها حرص من طرحها على المساهمة بشكل أو بآخر في كل ما يدعم السير بالمجتمع نحو تصحيح المسار. وفي الحقيقة فإنّ من يراقب هذه الظاهرة يلاحظ بالفعل أنّ نسبة كبيرة من الأطفال المتسولين باتوا يتقنون "فن التسول" مبتدعين العديد من الطرق والأساليب المباشرة منها وغير المباشرة؛ وكأنهم منخرطون في عصابات يديرها مدربون محترفون يوزعون المهام بينهم ليجنوا مايحصدون!؛ وكل ذلك دون أن يعترض سبيلهم أي عنصر ممن يفترض أن يكونوا مكلفين بمكافحة التسول. ربما يشاطرني كثير من ذوي الاختصاص الرأي بأنّ أمثال هذه الحالات باتت تدق نواقيس الخطر منذرة بتحولها إلى عصابات منحرفة، وقد همس بعضهم في أذني أنّ هؤلاء المتسولين حينما يقبض عليهم في بعض الحالات فإنهم يودعون في السجن مما يؤدي إلى اختلاطهم بمرتكبي الجرائم ومروجي السوء وأصحاب السوابق فيزيد ذلك في انحرافهم عن جادة الصواب. على أنني لم أجد نفسي منكرة لهذا الرأي مع أنني قرأت منذ مدة أنّ وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل كانت قد قامت بخطوة جيدة في هذا المجال وذلك بتأسيس معهد متخصص لتأهيل المتسولين وأنّ هذا المعهد مهمته تعليم المتسولين بعض الحرف التي تساعدهم على العيش الشريف؛ وكانت بعض الأنباء قد ذكرت أنّ مجلس الشعب شكل لجنةً خاصة لدراسة ظاهرة التسول واقتراح الحلول الملائمة لمعالجتها...، ومع اقتناعي بأنّ فكرة مثل هذه المعاهد جيدة ومن الممكن أن تكون مثمرة في الحالات الصحّية إدارياً؛ إلا أنني لا أتوقع لها النجاح في إطار الواقع الحالي الذي ينثر علامات الاستفهام حول مدى امتلاك تلك الوزارة للإمكانات المادية والبشرية التي تساعد على أنجاح هذا المسعى؛ ابتداءً بالتمويل المادي لورشات العمل التي يفترض أن تكون منتجة وانتهاءً بتأمين الكوادر الإدارية المتخصصة والنزيهة التي تستطيع إدارة هذا المشروع الخطِر بأمان للوصول به نحو الهدف المأمول، وفي هذا المقام قفزت إلى ذاكرتي كلمات السيد رئيس الجمهورية حينما قال: " لاتتكلوا على الدولة ولا تدعوا الدولة تتكل عليكم بل دعونا نعمل كفريق عمل واحد"، ووجدت بصيرتي توجهني إلى ضرورة التعاون المشترك بين الجهات الحكومية المتخصصة وجمعيات أهلية وطنية يمكن تأسيسها لهذا الغرض تقوم بجمع الهبات والتبرعات لصالح إنشاء ورش تشغيل منتجة وسوق خيري لتصريف تلك المنتجات بشكل مشرّف ومقبول يعود بالنفع على الأيدي المستصلَحَة، بحيث يعمل في الإشراف المباشر عليها متطوعون تنامت لديهم ثقافة العمل التطوعي والخيري وتحت رقابة الجهات الوصائية، على أن تؤازر هذه الهيكلية قوى أمنية بلباس مدني مخصصة لهذا الغرض تكون مؤهلة نفسياً وعلمياً؛ تقوم بالقبض على هؤلاء المتسولين بعد مراقبتهم بشكل جيد ومدروس للتأكد من وضعهم النفسي والمالي ومن مدى ارتباطهم بهيكلية تمتهن التسول لتجعل من هؤلاء المتسولين عصابات متخصصة غالباً ما تتسلط على الأطفال لتجبرهم على الانخراط في هذه المجموعات التي غالباً أيضاً ما تحرفهم عن الطريق السوي وتدفعهم إلى مهاوي الجريمة المنظمة...، وبعد القبض على هؤلاء يتم إيداع كل متسول في المكان الملائم لإصلاحه نفسياً ومهنياً تمهيداً للإسراع بنقله إلى الورش المنتجة المقترحة محققة في ذاته مايستجيب له من التحول من شخصية سلبية إلى إيجابية منتجة...
لست أزعم أنني أبدعت في ابتكار الحلّ، لكنها مجرد محاولة أردت من خلالها المساهمة في الرأي مشيراً إلى ضرورة تنمية ثقافة التطوع لدى الفرد والمشاركة الفاعلة لمؤسسات المجتمع المدني وفقاً لهذا المفهوم في معالجة الأزمات الاجتماعية والابتعاد عن حالة التواكل على الحكومة في كل شيء، لأننا معنيون جميعاً بإصلاح واقعنا الذي لامناص سوف نُسأل عنه أمام محاكم التاريخ وفي حضرة الله يوم الفزع الأكبر....*














30 سبتمبر, 2007 08:06 م