المستنقع
جوّال 095278048
http://www.husamdeen.jeeran.com//
http://www.husamdeen2.jeeran.com//
محمد حسام الدين دويدري
____________________________________________
لم أكن لأتوقع في يوم من الأيام ذلك الخلط في الممارسة السلوكية بين "الكاريكاتير" و الواقع المصدّق . كان أمراً مستبعداً في تصوري أن تجتمع في آنٍ واحدٍ حالتا الوعي و اللاوعي في شخصٍ واحد.
مرّة أخرى وجدت نفسي في إحدى دوائرنا الرسمية أقف على أعتاب أحد الموظفين بصحبة أحد الأصدقاء حينما كان يسعى وراء إحدى المعاملات...
لم تكن عنده نيّة مبيّتة من قبل في أن يدفع إلى ذلك الموظف أي مبلغ من المال كي يقوم بإنجاز ما قد تتطلبه معاملته؛ لكنه على ما يبدو قد اضطرّ إلى ذلك بعد أن استُنفِدَ صبرُهُ في الذهاب و الإياب .
كان لتلك الحفنة من النقود فعل السحر...، و هكذا … وجدنا الموظف المحترم يعد وعداً قاطعاً بأن يكون في اليوم التالي ختام تلك الرحلات المكوكية . و بالفعل فقد اتجهنا إليه في الموعد المحدد؛ و عندما سألنا زميله عنه أعلمنا بأنه قد ذهب ليصلي . لم أتمالك نفسي ، قلت لمحدّثي بصراحةٍ و وضوح :
- كيف تفسّر لي ما حدث بيننا و بينه ؟! ؛ هل يعقل أن يتقي الله من يقبض الرشوة أو يسعى إليها…؟ .
نهض الرجل من مكانه و قد اسودّ وجهه الأسمر لشدة الحنق الذي سيطر عليه مع أنني شعرت أنه كان يبذل قصارى جهده للجم غضبه، صرخ في وجهي محتجّاً على جرأتي :
-أولاً هذه ليست رشوة يا سيد …إنما هي إكرامية؛ ثمّ ألستَ معي أنها لقمة مغموسة بالدم …، يا أخي … إنّ الله غفورٌ رحيم …".
ووجدت صديقي يرشقني بنظرة غضب فينقلب عليّ ويسارع إلى إبعادي وإلى ترطيب خاطر صاحبنا معتذراً إليه بانكسار. وما هي إلاّ لحظات حتى طلع علينا إشراق وجه الموظف الناسك، فرحّب بنا على غير عادته ثم جلس خلف مكتبه فأخرج من أحد الأدراج المعاملة ناجزة جاهزة وقدمها بكل رضى وطيب خاطر. أما صديقي فقد كانت ابتسامته العريضة تنبئ عن نفسٍ راضيةٍ مطمئنة كأنه - كما يقولون - قد احتلّ القلعة. كان في غاية السرور.
خرجنا من ذلك المكان فذهب كلٌّ منا إلى شأنه...، لكنني وجدته بعد برهة يقفز في مخيلتي على صورة شيطان يحمل كيساً من النقود فيقف على حافة مستنقعٍ منتنٍ آسن؛ وقف على ضفته الأخرى ذلك الموظف؛ فجعل صاحبي يقذف باتجاهه قطعة نقود لم تصل إلى حيث أراد فسقطت في المستنقع؛ لينزل الموظف فيلتقطها فرحاً بها ثمّ يخرج و الدنس يتقاطر من ثيابه . فيسارع إلى الاغتسال و تبديل ملابسه، و لكنه ما يلبث أن يقف ثانيةً على ضفة المستنقع منتظراً قطعة جديدةً من النقود تقذف من جديد وهو يرمقها بشهية لكنها ما تلبث مرّة أخرى أن تستقرّ في قاع الدنس...*












09 سبتمبر, 2007 05:44 م