واحة الأدب

مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//

بلا حدود

بلا حدود

محمد حسام الدين دويدري

husamdeen@mail2syria.com

husamdeen@maktoob.com

http://www.husamdeen.jeeran.com//

http://www.husamdeen2.jeeran.com//

http://husamdeen.maktoobblog.com

     كلّ شيء في ذلك المشهد مرّ بسرعةٍ مذهلة؛ حتى أنني كِدتُ أدرك أنني أمام أبطال أحد أفلام هوليود. كلّ ذلك كان وأنا أسير في حي الفرقان متّجهاً نحو عملي المسائي؛ وقبل أن تغرب الشمس عن وجه المدينة لنطرحها في ظلمة الليل؛ إذ راعني مرور دراجة نارية مسرعة امتطاها شابان سرعان ماتمهلا بها ليقفز أحدهما نحو سيارة كانت متوقفة أمام أحد المحلات التجارية؛ ويبدو أنّ صاحبها كان قد غادرها لتوّه قاصداً ذلك المتجر، أما الشاب الآخر فقد توقف بالدراجة على بُعدِ بضعة أمتار قليلة فغادرها مسرعاً دون أن يوقف هدير محركها وقفز كذلك نحو سيارة أخرى كانت متوقفة أيضاً، وفجأة تعالت أصوات السكّان من أحد المباني الرابضة في ذلك المكان: "ياصاحب السيارة...الحق سيارتك... حرامي ...حرامي"، فهرع الشابان برشاقة إلى دراجتهما ولاذا بالفرار وهما يتضاحكان في مكر ودون خوف، في حين قفز الرجل إلى سيارته محاولاً اللحاق بهما، ولكن هيهات؛ فقد كانا أسرع بدراجتهما التي سرعان ما تلوّت متوارية في زحام المدينة....

     أفقت من ذهولي وقد أدركت أنّ مامرّ لم يكن من نسج الخيال ولا من أوهام اليقظة، في حين راحت عشرات القصص التي توالدت متناثرة في أجواء المدينة مؤخراً عن حوادث خطف الحقائب وسرقة المحلات التجارية وأجهزة الموبايل...؛ راحت تجتاح ذاكرتي مثيرة العديد من التساؤلات التي يجدر التوقف عندها: ماسرّ تلك الدراجات النارية المنتشرة في المدينة...؟؛ وكيف يستطيع ممتطوها السير في الشوارع أمام مرأى أولي الشأن من رجال الأمن والمرور؟، ألم يصدر من التعليمات والأنظمة مايمنع استخدامها...؟، هل هي مرخصة أم مهرّبة وغير نظامية...؟، فكيف يتمّ إدخالها إلى الوطن؟؛ وكيف تدخل المدينة إذاً...، وكيف يتم الإفراج عنها أحياناً بعد مصادرتها من قبل الجهات المختصّة...؟، وما السبيل إلى مكافحتها والتخلص من ضجيجها وإزعاجها وعرقلتها للمرور ومن فُرَصِ استخدام بعض المارقين لها كوسيلة للعدوان وسرعة التملّص...؟، أليس في هذه الظاهرة ومايشابهها مؤشرات على وجود خلل يستدعي توجيه الاختصاصيين بضرورة دراستها بشكل علمي يحرّض على التفكير الجدّي في إيجاد الحلول الجذرية الشافية..."!.

     ويبدو لي أنّ هذه الظاهرة المزمنة قد انتشرت في العديد من الدول؛ إذ نشرت صحيفة "الوطن"  السعودية منذ حوالي سنة أنباءً عن ازدياد ظاهرة لصوص النهار ممتطي الدراجات النارية في مدينة "جدّة"؛ حيث يقومون بالاعتداء على المواطنين فيختطفون الحقائب وأجهزة الهواتف النقالة وربما يستخدمون العنف والإيذاء الجسدي لإتمام ماعزموا عليه بسرعة ثم الفرار على دراجاتهم قبل أن يتمكن أحد من اللحاق بهم والقبض عليهم، ومثل هذا النبأ أيضاً مانشرته الصحافة اللبنانية عن ظهور عصابة مؤلفة من خمسة شبان لا يزيد عمر أكبرهم سناً على 25 عاماً تقوم بأعمال النشل على دراجات نارية؛ والمضحك في هذا الخبر أنّ هذه العصابة قد أطلقت على نفسها اسم "نشالون بلا حدود"...، ولعلّ في هذه الأخبار مايؤكّد أنّ عوامل كثيرة قد دخلت مجتمعاتنا فنشرت مثل هذه الأمراض الاجتماعية التي لم تكن موجودة فيها من قبل؛ وهذا مايستدعي قيام خبراء الاجتماع بتكثيف دراساتهم حول أسبابها ومحرضاتها وسبل علاجها....

     على أنني لست أزعم أنّنا بمكافحة الدراجات النارية سوف نجد الحلّ الشافي لمشكلة الجريمة على الإطلاق، لكننا سوف نزيح من أمام أولئك الشاذين فرصة استخدام إحدى الوسائل المساعدة، أما مشكلة العدوان على حقوق الآخرين فأمر يحتاج بالفعل إلى دراسات معمّقة للأسباب الحقيقية وراء ازديادها وكيفية معالجة تلك الأسباب...، وهو بلاشك أمرٌ يتعلق بمدى نجاحنا في خلق ثقافة مستنيرة قادرة على تحريض الجوانب النورانية المشرقة لدى المواطن الإنسان كي تطغى على الزوايا المعتمة في نفسه، وذلك بالتوافق مع إزالة كل مظاهر الفوضى وأسباب الضيق والقلق؛ بتسريع وتائر خطط التنمية الشاملة التي تطال كلّ المستويات وتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية بشكل يكفل الارتقاء بالمجتمع نحو الأفضل...

     لابدّ من التكامل في الحلول، وإننا نطالب بحظر استخدام الدراجات النارية وبالضرب بيد من حديد على أيدي المنحرفين والضالين، إلا أنّ هذا لايعني إعفاء خبراء الاجتماع من واجبهم في دراسة أسباب تفشي هذه الظواهر الشاذة لإيجاد الحلول التي تساعد في التوعية وتنظيف المجتمع من أمراضه وترسيخ البيئة السليمة التي تمدّ الوطن بالموارد البشرية البنّاءة التي ترفع شعار "مخلصون بلا حدود"...*

الاربعاء‏، 15‏ آب‏، 2007

 



أضف تعليقا

mayamimi من الجزائر
25 اغسطس, 2007 01:33 م
مقال فلى منتهى الروعة والابداع احسنت فى الكتابة يا ملهم الشعراء تسلم ياقلبي الموضوع جنان مره حلو وروعه مدري شلون اوصفه
ثنكس احاسيس دافئة جميل هو بوح الاحساس كلمات صادقة وتعابير احسنت
ما شاء الله عليك فى انتظار جديدك
husamdeen2 من سوريا
26 اغسطس, 2007 12:49 م
الله يا مايا... ما أجمل ما وصفتني به
أتمنى أن أستحق هذا الوصف وأن أبقى عند حسن ظنك بي
لك محبتي ودعائي
حسام
maysaa966 من سوريا
27 اغسطس, 2007 01:58 ص
د حسام هذا المقال طرح قضية مجتمعية هامة وسلط الضوء على عمق المشكلة ولكن الحلول التي ذكرتها هي الجزء المهم
1- خلق ثقافة مستنيرة قادرة على تحريض الجوانب النورانية المشرقة لدى المواطن الإنسان كي تطغى على الزوايا المعتمة في نفسه، طالما تسائلت لماذا انساننا بعيد عن هذه الثقافة رغم ان وسائل الاتصال والتواصل مفتوحة للجميع بلا استثناء ورؤية الفكر الأخر متاحة بلا قيود هل العيب في تركيبتنا ام في شيء اخر
maysaa966 من سوريا
27 اغسطس, 2007 02:11 ص
2- التكامل في الحلول
هذه النقطة هي الاساس فبدون التكاملية تضيع الجهود وتتعدد الاصوات والمقترحات وتنتشر التكرارات مما يخلق حالة من الفوضى وتششت للجهود

تعلم مودتي
ميساء
shosho187 من الكويت
28 اغسطس, 2007 12:02 ص
الأخ الكريم حسام .. مقال رائع ويستحق النقاش خصوصا وأن المشكلة باتت في تزايد وتفاقم مستمر .. وليت السلطات تبحث عن حل بدلا من جريها وراء أمور سطحية لا تهم


شكرا لك



ورد الشام