أحلام إدارية http://www.husamdeen.jeeran.com// http://www.husamdeen2.jeeran.com// http://husamdeen.maktoobblog.com التمَعَتْ على ثغره ابتسامةٌ ماكرة؛ ثمّ همس في أذني بلهجة المُداعب المازح: "يا أخي أنت من أولاد الست أما أنا فمن أولاد الجارية، ألا تراني أين أسكن؟، حارتي تُعَدُّ من الأحياء الفقيرة ولهذا فإنك تجد الخدمات فيها بسيطةً لاتكاد تُذكر؛ مع أننا نتمتع بذات حقوق المواطنة مثل أي فرد من القاطنين في الأحياء التي تدعى بالأحياء الراقية؛ ندفع ماعلينا من التزامات مالية وضرائب ورسوم ونمارس حقنا في انتخاب ممثلينا في المجالس المحلية آملين أن يتذكروا أوجاعنا بعد تحقيق أحلامهم بالتربُّع على الكراسي؛ نأكل من رزق الوطن ونشرب من مائه ونتنفس هواءَه تماماً كأيّ فرد في المجتمع...، ولكنّ حظَّنا العاثر دفعنا إلى السُكنى في هذا الحي وقلة الحيلة أبقتنا هناك نمارس كلَّ ليلة حقنا في أن نحلم بِغَدٍ تمتدّ فيه يد التحديث لتعيد صياغة تلك الأحياء فتمسحها بيد الجمال حتى يرقى حالُها وتغدو مماثلة أو مشابهة لغيرها من حارات المدينة....". مضت أيام على تلك الهمسات؛ لكنها مابرحت تلحّ في خاطري مثيرةً في نفسي رغبة شديدة في القيام بزيارة سياحية إلى بعض تلك الأحياء. وهكذا وجدتُ نفسي في أحد تلك الأحياء التي خلتها خارج حدود المدينة، كان كلّ شيء في المكان مطبوعاً بطابع الفوضى؛ بل شعرت أنه يثير في النفس الفوضى وضعف الارتباط وعدم الالتزام؛ "أتربة وحفر وإسفلت مرقّع وأرصفة متهالكة وحاويات تطفح بالقمامة المترامية حولها حتى لتبدو كأنها لم تفرغ من محتوياتها منذ أسابيع..."، كنت أسير بخطوات متعثرة وأنا شاردٌ عن كلّ ما حولي من ضجيج أستعيد وقع كلمات صاحبي المتناغمة مع ما أرى مردداً بعضها في سرّي: "ذات حقوق المواطنة... أدفع ماعليّ من التزامات.."، وفي زاوية من الحي وجدت حديقة صغيرة متواضعة تمنح جوارها بعض الجمال المشوّه، كان التعب قد أخذ مني ما أخذ فدفعني إلى دخولها طلباً للراحة، وهكذا اخترت لي مكاناً تحت ظلّ شجرة فجلستُ أُجيل طرفي بين أرجاء المكان. وسرعان ما وجدت نفسي أسيرة أحلام اليقظة التي أخذتني بعيداً عن أرض الواقع. لأتخيل أنّ أحد أولي الشأن استطاع القيام بتجربة اجتماعية فريدة، فاستطاع الحصول على صَكٍّ تمّ بموجبه تحديدُ مساحة واسعة من الأرض خارج حدود المدينة لإنشاء "مدينة فاضلة" عليها تتمتع بشخصية اعتبارية قادرة على التفرد بقيادة شؤونها عبر مجالس محلّية ضمن تسلسل هرمي غير متقطّع؛ فوضع لها نظاماً يحدد شروطاً لا تحتمل المماحكة ولا التأويل لمن يريد أن يقطنها ويمتلك فيها مسكناً يؤويه بسعر بسيطٍ ثابتٍ يعاد إليه في حال النزع لفقد حقه في الانتماء إلى هذا التجمع السكاني في حال مخالفته لأحد تلك الشروط التي كان أولها احترام الترابط الاجتماعي بين الجوار وأن لايقدم "الشاغل" على أي عمل يمس بجمال حيّه وأن يلتزم بمبدأ العمل التطوعي على صيانة الحي الذي يسكنه؛ فلا يقدم على ارتكاب أي عمل يزعج جيرانه أو يخل بحقوقهم ولا يرمي النفايات في الشوارع بل توضع في أكياس خاصة محكمة الإغلاق توضع في مكان محدد على أبواب المنازل في ساعة محددة ليمرّ بها عمال معنيون بالنظافة في تلك اللحظة ذاتها فيجمعونها ويسلّمونها إلى شركات خاصة بمعالجة النفايات...، فإذا أخلّ القاطن في الحيّ بأحد تلك الشروط الصارمة ألغي حقه فوراً ودون أيّ نقاش بالسكنى في تلك "المدينة" وأعيد إليه ثمن المسكن المخصص به فطُرِدَ خارجها بقوّة القانون ليَحُلَّ محله مواطن آخر يلتزم بتلك الشروط المتفق عليها... مرّت ساعة من الزمن وأنا أتجول عبر خيالي في شوارع تلك المدينة التي وجدتها تتّسع مع الزمن بعد أن كثر تعداد مَنْ روّضوا أنفسهم جيّداً على الالتزام بتلك الشروط، لكنني مالبثت بعد حين أن أفقت من حلمي لأعود إلى الواقع متابعاً جولتي في أزقة ذلك الحي الذي وجدته يفتقر إلى أبسط مقومات الجمال قبل أن يكون فقيراً بالمعنى المادي. في تلك اللحظة تذكرت أنّ بلدنا الحبيب مقبل على انتخابات مجالس الإدارة المحلية وفقاً لقانون الإدارة المحلية الذي وضع المشرّعُ في نَصّه مجموعةً من الأهداف كان في مقدمتها تركيز المسؤولية في أيدي طبقات الشعب لتمارس بنفسها مهام القيادة، وتأمين مساهمة حقيقية ومجدية في الجهود التي تبذل لتحقيق النهوض بالمجتمع....، لكنني في الحقيقة وجدت أنّ التجربة عبر مامرّ من الزمن في عمر ذلك القانون قد أثبتت أن هذا القانون لم يستطع تحقيق تلك الأهداف بالشكل الصحيح وأنه بحاجة إلى إجراء تعديلات تطوره وتحدّث آليات عمل أطره لتوسع المشاركة العملية في المسؤوليةابتداءً بهيئات الشاغلين ومجالس الأحياء وصولاً إلى مجالس المدن والمحافظات...* الثلاثاء، 24 تموز، 2007 محمد حسام الدين دويدري
.
.
الخميس, 26 يوليو, 2007
أضف تعليقا
اضيف في 31 يوليو, 2007 09:57 ص , من قبل husamdeen2
من سوريا
من سوريا

أختي الغالية سهى
ماذا غلينا أن نفعل ونحن لا نملك سوى الكلم، المشكلة الحقيقية تكمن في أنّ أصحاب القرار لا يقرؤون، وحينما يقرأ عليهم أحدهم شيئاً قإنهم يجدون في تلك الحروف مجرد منظومات صوتية ماتلبث أن تتلاشى في الهواء
يقولون أنّ الإعلام سلطة ررابعة ولكن الحقيقة تبين لنا أنّ هذه السلطة الرائعة ضائعة...
الواقع بحاجة إلى الكثير من الإصلاح ، والكلمة هي البداية...
ولهذا أقول : سنبقى نكتب ونكتب ونكتب عسى أن نعيد للقراءة مكانتها....
مع تمنياتي ودعائي بموفور الصحة والسعادة
حسام
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.










أستاذي الفاضل حُسام
موضوع في غاية الأهمية ولكن من يسمع؟
الموضوع يحتاج لتغيير جذري..
كلنا نعيش في فقاعة صابون كبيرة أسمها الأحلام الإدارية, وكثيرون هم الذين حلموا أن يغيرو الارض للأفضل. على الأقل تغيير بلده أو بعض المناطق التي تفتقر للنظام والإدارة..
كيف سنباشر؟ ربما الحل في الكلمة
وموضوعك هو بداية الكلمة..
دمت ودام قلمك للخير وسنداً للعقول التي تحلم بأن تُغيير الأمور نحو الأفضل يوماً..
اسعدك الله
سهى