الهندسة الريادية محمد حسام الدين دويدري لم يكن مستغرباً لديّ أن يدور مثلُ ذلك الحوار في مثل هذه الأيام؛ فيما كنا نجتاز الأيام الأخيرة من الموسم الامتحاني الجامعي، كان كلّ واحد من المتحدثين يروي حسب أسلوبه الإخراجي أطرف القصص التي مرّ بها في الكشف عن ابتكارات "مذهلة" لجأ إليها طلاب أعملوا عقولهم في ابتداع طرق جديدة غيرِ مسبوقة في الغش الامتحاني...، لكنّ الذي أثار حفيظتي واستغرابي في تلك الأحاديث كان تعبير بعضهم في وصفه لتلك الطرق بأنها طرق مبتكرة "مبدعة"؛ بل وجدت أحد الزملاء يقترح مازحاً منح بعضهم براءة اختراع...؛ وهذا يعني أنّ أولئك الطلبة مبدعون؛ ولكن في ابتكار الغش...!!. لم أُخفِ تحفّظي وامتعاضي حيال هذا الوصف الذي رآه البعض جزءاً من أسلوب مبدع في التفكير عاود بعضهم اللجوء إليه بعد انتباه الإدارة الجامعية إلى أساليب الغش عن طريق أجهزة الخليوي "الموبايل" واتخاذ إجراءات مشددة حيالها...؛ الأمر الذي أثار في نفسي سؤالاً هاماً: مادام هؤلاء قادرين على سلوك نهج مبتكَر؛ فهذا يعني أنهم يتمتعون بقدر لا بأس به من الذكاء ومن القدرة على التفكير؛ فلماذا إذاً لايستخدمون هذا الذكاء في إتفان التعلّم بدلاً من ابتكار الغش..؟!، هل يعتبرون مجرد النجاح في الامتحان هو الهدف غير آبهين بالأخلاق العلمية التي يفترض أن يتحلى بها الإنسان العالم أو الساعي في طريق كسب العلم...؟، وبالتالي فهم يرون في ما يقدمون عليه أقصر الطرق وأيسرها للوصول إلى ذلك النجاح الشكلي الذي ماتزال ترسخه طرائق التدريس التقليدية العقيمة وأساليب الامتحانات المرتبطة بها وتغفل عن إصلاحه الأسس التربوية عبر المراحل المختلفة...، ثمّ ما مدى الترابط بين التفكير الإبداعي والأخلاق...؟، وهل للتربية أثر على الإبداع...؟. كان لي وقفة طويلة متأملة في كلمة السيد الرئيس - حفظه الله وأمدّه بالعون والقوة- تلك التي ألقاها مؤخراً أمام مجلس الشعب في جلسة أداء القسم الدستوري للولاية الجديدة؛ وكان مما لفت انتباهي في معرض حديثه عن الفساد ذلك التركيز على الجانب الأخلاقي وماينتظر من دور مأمول للعناصر الثلاثة الفاعلة في بناء الإنسان: "الأسرة، المدرسة، الإعلام" ولعلي لا أكون مخطئاً إن رأيت في الرابط بين هذه العناصر ملامح بحث علمي جديد أقترح أن يسمى "علم الهندسة الريادية"، قالنظام التربوي الشامل إذا أريد له أن يكون فاعلاً في إصلاح الواقع الاجتماعي وبناء أفراد مبدعين لابدّ أن يكون هو نفسه مبدعاً في كلّ جوانبه قادراً على التبصَر في كل الجوانب المتعلقة بالبناء التربوي للمجتمع بأكمله، وبالتالي ناء الإنسان المتمتع بالشخصية المتكاملة جسمياً وعقلياً ونفسياً وانفعالياً واجتماعياً ووجدانياً، أي قادراً على مواكبة الواقع ومقاومة الضغوط والتأسيس لبيئة سليمة خصبة بمصادر المعارف وبالمهارات والقيم والأخلاق التي تساعد على ممارسة التفكير الإبداعي بشكل إنساني حضاري ... من هنا فإنّ علم الهندسة الريادية يميز بشكل واضح بين "الذكاء" كميّزة فيزيولوجية جسدية وبين "التفكير الإبداعي" كحالة إنسانية مقترنة بالقيم والأخلاق؛ والأمثلة كثيرة في واقعنا وكذلك على امتداد التاريخ نرى فيها من وظغوا أو يوظفون ذكاءهم في اتجاهات جرمية لايمكن في أي حال من الأحوال والظروف اعتبارها حالات إبداعية مهما كانت مبتكرة أو مذهلة...، فلابد لعلم "الهندسة الريادية" من الربط الدائم بين الأخلاق والتفكير الإبداعي ؛ لأنّ الذكاء المجرّد عن القيم الأخلاقية والوعي الإنساني الجمالي لابدّ أن يكون مدمّراً والأمر سواء لدى الأفراد ولدى الجماعات، حيث يغيب الحسّ الإنساني المجتمعي في غياب القيم ويبقى تضخم الذات "الأنا" هو العنصر المحرّض الذي ربما يدفع صاحبه إلى السعي نحو التدمير في سبيل الذات... ربما يرى البعض أنّ هذا الواقع المشحون بانزوع المادي والتواتر السريع يحدّ من قدرة الأفراد على الصبر والتأني في إبصار طريقهم ويجعلهم لاهثين في سباق دائم لاقتناص الفرص، والحقيقة أنّ هذا الشعور هو وليد واقع مسيرة عشوائية في غياب هندسة ريادية دارسة قادرة على التأسيس للبيئة المناسبة للعطاء المبدع* الأربعاء 18 تموز 2007
.
.
الخميس, 19 يوليو, 2007
أضف تعليقا
اضيف في 23 يوليو, 2007 11:34 ص , من قبل husamdeen2
من سوريا
من سوريا

أختي الفاضلة سهى
الأجيال بحاجة إلى من يأخذ بيدها نحو الطريق السديد
المشكلة الكبرى في انحسار دور المنظومات القيمية في حياة المجتمع
أدعو الله أن يعيننا على العودة إلى الطريق القويم
أختي
لا حرمني الله من إطلالتك ورأيك الذي يشعرني بروعة الأخوة ويدفعني إلى كتابة المزيد...
لك مودتي وتقديري
حسام
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.










أستاذي الفاضل حُسام
ذكرتني بأيام الدراسة
عندما كنت في الصف الثالث الإعدادي كان لي زميلة في الصف مبدعة في الغش ..
تخيل كيف يصبح الغش إبداع!
للأسف الظاهرة الآن منتشرة بشكلٍ كبير
وفعلاً هؤلاء الخارقون في المشاكل فقط والمصائب يحتاجون لكسر ميولهم السلبي.
طالما هم يملكون القدرة للإبداع في الخطأ فيمكن أيضاً لهم الإبداع في الصواب..
أستاذي لم تقصر أبداً في طرحك لمثل هذا الموضوع المهم
سلمت أنامل وسلم هذا القلم المبدع للصواب
اسعدك الله
سهى