واحة الأدب
مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//
.
.

الإبداع من الهوّة إلى القوّة

الإبداع من الهوّة إلى القوّة

http://www.husamdeen.jeeran.com//

http://www.husamdeen2.jeeran.com//

husamdeen@mail2syria.com

husamdeen@maktoob.com

محمد حسام الدين دويدري

 جوّال  095278048

  لم تكن تلك هي المرّة الأولى التي يتجاذبني فيها مزيج متناقض من الفرح والألم وأنا أجيل طرفي بين وجوه إخوتنا وأبنائنا الذين قدموا إلينا من بلاد الاغتراب بقلوبٍ طافحة بألق الحب وعطور الحنين، إنه الفرح الكبير بلقائهم والألم الشديد لإدراكٍ أكيد بأنهم نبات مثمر في غير أرضه التي نبت منها...، حينما كنت أحضر افتتاح المؤتمر الطبي الحادي والعشرين للجمعية الطبية السورية – الأمريكية على المدرج الكبير لكلية الطب بجامعة حلب كانت صور حالات العبث التي بتنا نشهدها كثيراً لدى بعض أبنائنا ماتزال تلحّ على خاطري لتضيف إلى ذلك المزيج المتناقض لفحة من التساؤل اللائم كثيراً ما كنت أحسّ بوهجها كلما قرأت عن اكتشاف مبدع أو فتح علمي حققه أحد أبنائنا المغتربين: لماذا تكثر حالات الإبداع بين أبنائنا المغتربين  وتضمحلّ بين أبنائنا الماكثين في أحضان أوطانهم...؟!، هل تخلينا نحن الآباء والمربين عن واجبنا في توجيههم ودعم توجهاتهم المبدعة فدفعناهم بأيدينا إلى الحالة العبثية التي ماتنفكّ نستنكرها دون أن نعمل بشكلٍ جدّي ومدروس على تبديلها...؟!، فكيف يمكن إذاً تنمية التفكير الإبداعي لدى أبنائنا منذ المراحل الأولى للطفولة وتوجيههم نحو مسار التعلّم المستمر وكيف يمكننا تصحيح الدور المعرفي الذي تقوم به مؤسساتنا التربوية والتعليمية كي تتمكن من فتح طرق البحث والتعلم المستمر أمام الأجيال وتخليص الواقع التعليمي من حالة "التعلّم التجاري" التي يشعر معها الخريج أنه وصل إلى قمة هدفه بعد أن حصل على الشهادة باعتبارها الورقة السحرية التي تمكنه من دخول مصاعد الوظيفة والانخراط في سباق العالم اللاهث؛ ليقف بتعلّمه عند هذا الحدّ مكتفياً بما حشر في رأسه من معلومات سرعان ما يتبخر معظمها في زحمة روتين العمل الذي كثيراً ما يكون بعيداً كل البعد عن ما اكتسب في دراسته، وهكذا بعد زمن ليس بالمديد لابدّ أنه سوف يجد بينه وبين المعارف الحديثة متسارعة التطور بوناً شاسعاً وسيكتشف أنه لم يبق لديه من حياته الأكاديمية سوى حفنة من الذكريات التي تستثيرها وثيقة التخرج؛ تلك الورقة التي كدح من أجلها طويلاً دون أن يرعاها ويعطيها قيمتها التي تستحق...

     ربما يكون مؤلماً أن نقرأ الأمر على هذه الشاكلة الواقعية، لكنّ هذه القراءة يجب أن تكون الحافز المنبه الذي يجعلنا ندرك أنّ منطق التطور العلمي المتنامي يفرض علينا التفكّر الدائم والبحث الدائب، فالعلوم في تطورها الانفجاري أصبحت تأتي كلّ يوم بما هو جديد ومذهل وبالتالي فإنّ أي انقطاع عن التعلم سوف يزيد الفجوة بين المتعلم والمعرفة الأحدث، ولهذا فإن علينا أن ندرك أنّ هذا الواقع يفرض علينا أن نحسن استثمار الوقت؛ فالمسافة المعرفية التي باتت تفصلنا عن الأمم واسعة كبيرة ومعيار الضعف والقوة  مرهون بما تنتجه الأمة من علم وما يبدعه أبناؤها من مبتكرات مفيدة للإنسانية، وقد عرّف علماء الاجتماع الإبداع على أنّه: "القدرة على إنتاج شيء جديد" وعرّفوا التفكير الإبداعي على أنه: " القدرة على التفكير في نسق مفتوح؛ وهو عملية ذهنية يتفاعل فيها المتعلم مع الخبرات التي يواجهها للوصول إلى فهم جديد وكشف جديد وإنتاج جديد...".

     لقد حضت جميع الشرائع السماوية على العلم، وإنك لتجد في القرآن الكريم الكثير من الآيات التي تطلب من الإنسان التفكّر الدائم في هذا الوجود واستعمال عقله لأنّّ التفكير هو المنطلق الأساسي في تقدم الإنسان وتطوره، ففي التفكير يُعمِلُ الإنسان عقله ويحفّز خياله ويشحذ بصيرته لتستقرئ الظواهر وتكتشف مجاهل الأشياء وبواطن الأمور، ومن هذا المنطلق فإنّ التفكُّرَ والبحث عن كل ماهو جديد ومفيد هو واجب مقدّس ولا يجوز على الإطلاق الخلط بين مصطلحي الإبداع والبدعة السيئة الضالة المضللة لأنّ ذلك الفهم الخاطئ لابدّ أن يغلق على الإنسان باب البحث والاجتهاد ويحول العلم إلى مجرد حفظ ببغائي  يردد ما قاله الآخرون فقط دون مناقشة أو فهم وبالتالي فإنه يقزّمه ويجعله فريسة سهلة لمحاولات الصهر الثقافي  ولحملات التضليل والتذليل...

     إننا نعيش اليوم في عالم لا يحترم الضعفاء وهو لا يسعى إلى إلغائهم واستبعادهم فقط؛ بل يسعى إلى تطويعهم واستعبادهم؛ وللخروج من حالة الضعف التي يراد فرضها علينا بمختلف الوسائل؛ لابد لنا من مضاعفة الجهد في سبيل توفير المناخ الملائم لتنمية روح الإبداع لدى أبنائنا الذين هم رجال المستقبل وقادته، لأنّ الإبداع هو الحلّ الوحيد الذي يخرجنا من الهوّة ليصعد بنا إلى مراتب القوّة، فلابد أولاً من توعية الأسر كي تكون قادرة على غرس حب المعرفة في نفوس أبنائها منذ الصغر، ولابد أيضاً من إصلاح أنظمة التعليم وبناء مناهج متطورة وأساليب متكاملة تحفّز التفكير وتعمل العقل وتحرّض على الإبداع...*

الثلاثاء‏، 03‏ تموز‏، 2007

 

 

 

(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 22 يوليو, 2007 08:42 م , من قبل suharosa

أستاذي الفاضل حُسام

موضوع في غاية الأهمية ..

للأسف كثير من الناس حاولوا والعائلات تنمية مهارات الطفل ليخرج قوياُ قادراً على مواجهة المستقل, المشكلة تكمن في عدم الإستمرارية .

للاسف نحن في هذا الزمن نحتاج للإعلام أكثر من ذي قبل , الأعلام المؤثر الأكبر في تطوير الإبداع .

إستغلال الإعلام من أجل مصلحة الأجيال, لكن أين هم الذين سيقفون متكاتفين متساندين ليخرج الإبداع من الهوة إلى القوة؟

أستاذي الفاضل.. وكما عودتنا دائماً

رائع ورائع بحق

دمت لنا قائداً للرسائل النبيلة
ودام قلمك ضياء ..

اسعدك الله

سهى


اضيف في 23 يوليو, 2007 10:49 ص , من قبل husamdeen2
من سوريا

أختي الغالية سهى
حينما تقرئين المقال التالي " الهندسة الريادية" ستجدين محصلة ثلاث قوى تتشارك في صنع الموارد البشرية: الأسرة والمدرسة والإعلام
وقبل أن نطالب أبناءنا بالتمييز مابين المواد الإعلامية علينا نحن الكبار أن نتقن فن انتقاء مواردنا التثقيفية، والمشكلة الأصعب أننا عزفنا عن القراءة والتجأنا في استقاء معارفنا السريعة في عالم "الهامبرغر" من المصادر الأقل ثقة....
ربما هي طبيعة الحياة المادية التي نحياها فلاتفسح المجال للكثيرين إنقاذ بعض الوقت من خطر الترميد
كثير هو الزمن المحترق على ومضات الشاشات بلا طائل
المشكلة أن عاداتنا السيئة تنتقل إلى أولادنا....
أختي
شكراً على متابعتك القيمة وآرائك الصائبة وأتمنمى أن نتواصل دائماً.

حسام




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.