آلام في جسد الذوق العام
http://www.husamdeen.jeeran.com//
http://www.husamdeen2.jeeran.com//
husamdeen@mail2syria.com
محمد حسام الدين دويدري
لم يمضِ وقت طويل على استسلامي لسلطان النوم طلباً للراحة من عناء يوم شاقّ طويل، كلّ ما أذكره لحظتها أنني أغمضت عينيَّ على أمنية طالما راودتني؛ لو انّ العقل الباطن عاجلني بباقة من الأحلام الوردية السعيدة عساها تخفف عني ما أعايشه من أسى؛ فلربما حالفني الفوز بمداد قصيدة جديدة تكون أعلى تفاؤلاً وأكثر إشراقاً من كلّ ما كتبت؛ لكنني مالبثت أن صحوت حتى من أمنياتي تلك على هدير مزعج وجدت أصداءه تلاطم أرجاء الظلمة الهاجعة في الغرفة الساكنة، كانت عقارب الساعة تجاوز الثانية بعد منتصف الليل، نهضت من فراشي مسرعاً إلى الشرفة أستطلع مصدر ذلك الهدير؛ فإذا بسيارة جميلة فارهة قد تربصت في أحد أرجاء الشارع وهي تقذف عبر نوافذها المغلقة وابلاً انفجارياً من الألحان التي راحت تجتاح كلّ أرجاء المكان، هرعتُ مسرعاً إلى الشارع والغضب ينتفض في عروقي أريد التصدّي لسائقها الأرعن، لكنني لم أكد أخرج من المبنى حتى وجدت ثورتي تهدأ، وتمكنت من السيطرة على أعصابي حينما وجدت أنّ من في السيارة هم مجموعة من الشبان المراهقين، كانوا يصفقون ويتصايحون ويتمايلون كالسكارى فيما كان الضجيج الرتيب ينجدل بصوت المغني الذي راح يردد كلمات لم أكن أتوقع سماعها: "بحبك ياحمار...". مرّت بضع لحظات كنت خلالها رهين تنازع خواطر كثيرة...، هممت تحت تأثيرها غير مرّة بالدنو من السيارة بهدف نقر زجاجها للتحدث إليهم ناصحاً أو مؤنّباً؛ لكنني آثرت العودة من حيث أتيت لقناعتي بأنني لست من يملك الحق في ذلك وأنّني لست ممن خوِّلوا مسؤولية حفظ النظام وأنّ تدخّلي في الأمر قد يخلق مشكلة جديدةً بدلاً من أن يحلّ تلك المشكلة...
وهكذا عُدْتُ إلى بيتي فجلستُ على الشرفة بعد أن سلب الأرق مني الأحلام والنُعاس؛ فيما راحت الصور تترى في بصيرتي ناثرة في أعماقي المزيد من شظايا الأسى، لم تكن فقط صورة تلك السيارات التي يتمّ تزويدها بمضخمات و"بافلات" إضافية كبيرة للصوت هي الهاجس الوحيد الذي استوطن بصيرتي؛ بل تزاحمت عليّ الصور في سلسلة طويلة كان كلّ مافيها يقرع الأجراس منبها مستشعراً تفشي حالة من "فساد الذوق العام"؛ ذلك الذي كان ينبغي أن نتصدى بمجموعنا لحمايته وأن يكون من أول الخطوط الحمراء التي ندافع عنها ضد كل من يحاول اختراقها، إنها صور كثيرة ومتكاثرة تلك التي نحلم باجتثاثها...: تلك السيارات المتسابقة في الشوارع ومظاهر التشفيط البهلوانية التي يمارسها المتهورون...، وتلك الدراجات النارية التي مايزال مرآها وهي تتلوّى في شوارعنا بين السيارات يثير الأعصاب بفحيحها المزعج خاصة وأنها باتت تثير الشكوك الكثيرة بعد تكرر حالات خطف الحقائب من أيدي السيدات...، أما مرآى باصات النقل الداخلي التي تنفث السموم وتعرقل حركة المرور فهي المشكلة المزمنة التي طالما تعالت الأصوات المطالبة بعلاجها...، في حين تبدو أزمة النظافة أكثر تعقيداً من مجرد البحث في دور الدوائر الخدمية والجهات المستوفية لضرائب النظافة؛ إذ قد لا تفاجأ بأنّ قيام المواطن برمي النفايات والأوساخ يتم بشكل اعتباطي يدل على لامبالاة وفقدان الشعور بالمسؤولية الجماعية والبعد عن الإحساس بالجمال...، بل ربما لاتفاجأ أيضاً مما تراه قرب دور العبادة أحياناً حيث يقوم بعض المصلين بحشر سياراتهم بشكل فوضوي في أقرب نقطة إلى مداخلها وفقاً لأرتال عشوائية تعرقل السير وتسد الطرقات مع أنّ المفترض أن يقوم هؤلاء بصف سياراتهم بشكل حضاري ولو كلفهم ذلك السير حتى بلوغ المصلى الذين يدخلونه لتنقية قلوبهم...
صور كثيرة متكاثرة نأمل أن نحاصرها بتقوية الإحساس بالمسؤولية وبتصحيح وصياتة الذوق العام الذي يعدّه العالم المتحضر بالفعل المجال الحيوي الأعلى استثماراً. وقد ذكرت الأنباء مؤخراً نقلاً عن صحيفة " الصندي تليجراف" البريطانية أنّ الحكومة البريطانية قد وضعت برنامجاً لإنفاق عشرة ملايين جنيه استرليني بهدف تعليم طلاب المدارس أساسيات "الذوق العام" وكيفية التعامل مع الآخرين وإكسابهم جملة من المهارات التي يحتاجونها لضبط تصرفاتهم وسلوكياتهم في الأماكن العامة ومع محيطهم الحيوي.
لاشكّ في أنّ الحكومة هي المسؤول المباشر عن إصدار وتنفيذ التشريعات التي تضمن حماية الذوق العام من المتجرئين عليه وممن يعملون على إفساده تحت غطاء الشعارات المضللة كالحرية الشخصية والفن الحديث وما إلى ذلك من دعوات فوضوية، لكنّ المسؤول الأوّل الأكثر تأثيراً في النهوض بالذوق العام هي الأسرة التي لابد لها من أن تستعيد دورها في تربية الأجيال وتنمية وعيهم الجمالي للارتقاء بأذواقهم وتطهير نفوسهم من الأنانيات التي تقف حائلاً بيتهم وبين ارتباطهم بالمجتمع، وحينها لابد أن نصنع جيلاً يعرف كيف يصنع مستقبله...*
الثلاثاء، 26 حزيران، 2007















29 يونيو, 2007 11:37 م