واحة الأدب
مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//
.
.

آلام في جسد الذوق العام

آلام في جسد الذوق العام

http://www.husamdeen.jeeran.com//

http://www.husamdeen2.jeeran.com//

husamdeen@mail2syria.com

husamdeen@maktoob.com

محمد حسام الدين دويدري

 جوّال  095278048

     لم يمضِ وقت طويل على استسلامي لسلطان النوم طلباً للراحة من عناء يوم شاقّ طويل، كلّ ما أذكره لحظتها أنني أغمضت عينيَّ على أمنية طالما راودتني؛ لو انّ العقل الباطن عاجلني بباقة من الأحلام الوردية السعيدة عساها تخفف عني ما أعايشه من أسى؛ فلربما حالفني الفوز بمداد قصيدة جديدة تكون أعلى تفاؤلاً وأكثر إشراقاً من كلّ ما كتبت؛ لكنني مالبثت أن صحوت حتى من أمنياتي تلك على هدير مزعج وجدت أصداءه تلاطم أرجاء الظلمة الهاجعة في الغرفة الساكنة، كانت عقارب الساعة تجاوز الثانية بعد منتصف الليل، نهضت من فراشي مسرعاً إلى الشرفة أستطلع مصدر ذلك الهدير؛ فإذا بسيارة جميلة فارهة قد تربصت في أحد أرجاء الشارع وهي تقذف عبر نوافذها المغلقة وابلاً انفجارياً من الألحان التي راحت تجتاح كلّ أرجاء المكان، هرعتُ مسرعاً إلى الشارع والغضب ينتفض  في عروقي أريد التصدّي لسائقها الأرعن، لكنني لم أكد أخرج من المبنى حتى وجدت ثورتي تهدأ، وتمكنت من السيطرة على أعصابي حينما وجدت أنّ من في السيارة هم مجموعة من الشبان المراهقين، كانوا يصفقون ويتصايحون ويتمايلون كالسكارى فيما كان الضجيج الرتيب ينجدل بصوت المغني الذي راح يردد كلمات لم أكن أتوقع سماعها: "بحبك ياحمار...". مرّت بضع لحظات كنت خلالها رهين تنازع خواطر كثيرة...، هممت تحت تأثيرها غير مرّة بالدنو من السيارة بهدف نقر زجاجها للتحدث إليهم ناصحاً أو مؤنّباً؛ لكنني آثرت العودة من حيث أتيت لقناعتي بأنني لست من يملك الحق في ذلك وأنّني لست ممن خوِّلوا مسؤولية حفظ النظام وأنّ تدخّلي في الأمر قد يخلق مشكلة جديدةً بدلاً من أن يحلّ تلك المشكلة...

     وهكذا عُدْتُ إلى بيتي فجلستُ على الشرفة بعد أن سلب الأرق مني الأحلام والنُعاس؛ فيما راحت الصور تترى في بصيرتي ناثرة في أعماقي المزيد من شظايا الأسى، لم تكن فقط صورة تلك السيارات التي يتمّ تزويدها بمضخمات و"بافلات" إضافية كبيرة للصوت هي الهاجس الوحيد الذي استوطن بصيرتي؛ بل تزاحمت عليّ الصور في سلسلة طويلة كان كلّ مافيها يقرع الأجراس منبها مستشعراً تفشي حالة من "فساد الذوق العام"؛ ذلك الذي كان ينبغي أن نتصدى بمجموعنا لحمايته وأن يكون من أول الخطوط الحمراء التي ندافع عنها ضد كل من يحاول اختراقها، إنها صور كثيرة ومتكاثرة تلك التي نحلم باجتثاثها...: تلك السيارات المتسابقة في الشوارع ومظاهر التشفيط البهلوانية التي يمارسها المتهورون...، وتلك الدراجات النارية التي مايزال مرآها وهي تتلوّى في شوارعنا بين السيارات يثير الأعصاب بفحيحها المزعج خاصة وأنها باتت تثير الشكوك الكثيرة بعد تكرر حالات خطف الحقائب من أيدي السيدات...، أما مرآى باصات النقل الداخلي التي تنفث السموم وتعرقل حركة المرور فهي المشكلة المزمنة التي طالما تعالت الأصوات المطالبة بعلاجها...، في حين تبدو أزمة النظافة أكثر تعقيداً من مجرد البحث في دور الدوائر الخدمية والجهات المستوفية لضرائب النظافة؛ إذ قد لا تفاجأ بأنّ قيام المواطن برمي النفايات والأوساخ يتم بشكل اعتباطي يدل على لامبالاة وفقدان الشعور بالمسؤولية الجماعية والبعد عن الإحساس بالجمال...، بل ربما لاتفاجأ أيضاً مما تراه قرب دور العبادة أحياناً حيث يقوم بعض المصلين بحشر سياراتهم بشكل فوضوي في أقرب نقطة إلى مداخلها وفقاً لأرتال عشوائية تعرقل السير وتسد الطرقات مع أنّ المفترض أن يقوم هؤلاء بصف سياراتهم بشكل حضاري ولو كلفهم ذلك السير حتى بلوغ المصلى الذين يدخلونه لتنقية قلوبهم...

     صور كثيرة متكاثرة نأمل أن نحاصرها بتقوية الإحساس بالمسؤولية وبتصحيح وصياتة الذوق العام الذي يعدّه العالم المتحضر بالفعل المجال الحيوي الأعلى استثماراً. وقد ذكرت الأنباء مؤخراً نقلاً عن صحيفة " الصندي تليجراف" البريطانية أنّ الحكومة البريطانية قد وضعت برنامجاً لإنفاق عشرة ملايين جنيه استرليني بهدف تعليم طلاب المدارس أساسيات "الذوق العام" وكيفية التعامل مع الآخرين وإكسابهم جملة من المهارات التي يحتاجونها لضبط تصرفاتهم وسلوكياتهم في الأماكن العامة ومع محيطهم الحيوي.

     لاشكّ في أنّ الحكومة هي المسؤول المباشر عن إصدار وتنفيذ التشريعات التي تضمن حماية الذوق العام من المتجرئين عليه وممن يعملون على إفساده تحت غطاء الشعارات المضللة كالحرية الشخصية والفن الحديث وما إلى ذلك من دعوات فوضوية، لكنّ المسؤول الأوّل الأكثر تأثيراً في النهوض بالذوق العام هي الأسرة التي لابد لها من أن تستعيد دورها في تربية الأجيال وتنمية وعيهم الجمالي للارتقاء بأذواقهم وتطهير نفوسهم من الأنانيات التي تقف حائلاً بيتهم وبين ارتباطهم بالمجتمع، وحينها لابد أن نصنع جيلاً يعرف كيف يصنع مستقبله...*

‏الثلاثاء‏، 26‏ حزيران‏، 2007

 

(6) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 29 يونيو, 2007 11:37 م , من قبل suharosa

كما قلت سيدي الفاضل. الأسرة لها نسبة كبيرة لما قد نشاهده من حولنا , في الشارع في الأماكن المخصصة للتسوق. كل يوم نرى عجائب وغرائب . أصبح من الصعب على بعض أبناء الجيل الجديد تقبُل الأمور الهزيلة. حتى هم أصبحو يرون فيها قلة ذوق رغم أنهم من فصيلة واحدة..

المشاهد التي نراها لا تحتاج لقصيدة او قصيدتين , ‘نها ببساطة تحتاج لملايين القصائد وملايين الكُتب وملايين البرامج الخاصة بتعليم الذوق العام..

أستاذي الفاضل والرائع حسام

قمة في الروعة وكلمات في الصميم

موضوع نراه كل يوم .. إنه وباء أصاب جسد الذوق العام.. نأمل أن يتواجد المضاد..

شكراً لهذا المقال الرائع

أسعدك الله

سهى


اضيف في 01 يوليو, 2007 10:48 ص , من قبل husamdeen2
من سوريا

أختي سهى
كم تسغدني متابعاتك الواعية
حسام


اضيف في 10 يوليو, 2007 12:10 م , من قبل chahdelyasmine
من الجزائر

سيدي الكريم أشكرك جزيل الشكر علي طرحك لهذا الموضوع الواعي والمميز .
فعلا قضية (وأسمحلي أن أطلق عليها هذا الإسم) "الذوق العام "هي قضية جد مهمة في مجتمعاتنا ففي الوقت الذي نري تقدم ورقي في مجتمعات أخري نري أننانتقهقر مع الأسف.
أنا لا ألوم الشباب المراهق بل أشفق عليه والغلطة هي غلطة الأسرة أو حتي المدارس فلما لا تدرس مادة "الذوق العام" في جامعاتنا؟؟
يؤلمني أن أري شبان يستمعون إلي أغنية "بحبك يا حمار" أكرمكم الله" في الوقت الذي كنا نسمع "أنا والقمر جيران" أو إعطني الناي وغني" أو قولي أحبك"
سيدي معذرة عن الإطالة لكن أهمية موضوعك كانت المحفز.
تحياتي............ياسمين.


اضيف في 12 يوليو, 2007 02:31 ص , من قبل baterfly

أستاذي الفاضل ..
أتشرف بمروري على مدونة بل جوهرة ثقافية مثل جوهرتك هذه ..
ولكن إسمح لي أن أخذ شيء أعده أنا من إختصاصي وهو إبداء رأيي وربما التأنيب إن إحتاج الأمر ..
فأنا هنا أؤنبك على أنك لم تكمل مشوارك وتقرع زجاج النافذة للشباب لتوعيهم أن ما يفعلوه هو عدم إحترام لعامة الناس و أن هذا الأسلوب ليس بالأسلوب الحضاري ولكن بطريقة تجعلهم يخضعون لأمرك دون مناقشة ..
فالتأنيب والدفاع عن مباديء وأصول -ولكن بطريقة مثالية ومع مراعاة السن وتفهم أنهم شباب ويحتاجون أن نبتلع عصبيتنا أو حماسنا وأن نتعامل معهم بهدوء - ليس من إختصاص أحد معين وإنما هذه مسؤولية تقع على عاتقنا جميعا ..
فإن تواكلنا وكل منا إنسحب من المواجهة وعذره أنه ليس من إختصاصه إذن من الذي سيصلح الخلل ..
"" لست من سأصلح العالم "" عبارة يرددها الكثير ..
لا .. ولما ولما لا تؤدي واجبك حتى لا تكون يوما مسؤولا عن واجب سقط منك نعم إنه واجب .. فنحن مازلنا في عالم جاهل وإن كنا متعلمين فمازال الشعب يضم أكثر من ثقافة و أكثر من مستوى دراسي و أكثر من وعي ..
إذن لا نتجرد من واجبتنا حتى لا تهضم حقوقناونقع أمام مسؤولية أكبر وحتى نصلح الكون .. لأننا من سنصلح الكون ..
هذا هو الواقع

أستاذي الفاضل عذرا على الإطالة ولكن مقالك أجبرني ..
أحيي فيك فكرك العالي الذي لمسته في مدونتك وفي موقعك ..
ولي عودة إن شاء الله لأقرأ لك المزيد ..
تقبل مني كل الشكر والتقدير ..
ودمت بود ..


اضيف في 12 يوليو, 2007 11:03 ص , من قبل husamdeen2
من سوريا

أختي الفاضلة ود
طبعاً هذه الإطلالة النثرية هي حلقة في سلسلة الزوايا الأسبوعية التي أحررها غي صحيفة الجماهير "الحلبية"، وكثيراً ما أصوغ أفكاري بشكل قصصي محبب للقارئ يجذب اهتمامه وينسق الفكرة التي أريد طرحها بشكل يوصل المراد إلى أولي الشأن
أنا لست أنكر أن مسؤوليتنا جميعاً تقتضي التدخل المباشر؛ ولكن في حدود القوانين والاختصاصات ..
ماذا لو ان الأمر تحول إلى شجار وعراك
أردت أن ألفت انتباه الأسر وانتباه الجهات الأمنية المسؤولة عن ضبط مثل هاتيكم المخالفات التي تحدث في كثير من بلداننا العربية والإسلامية ويسوّق لها الإعلام الفاسد....
القضية تحتاج إلى نقاش مطول وهي في سلسلة مواضيع دأبت على طرحها منذ مدة
أشكر لك غيرتك وأنا متفائل مادام في أمتنما أمثالك ممن يؤكدون على وجود الأم الواعية التي سوف تكون المنارة التي تبني الأجيال
لك تقديري واحترامي
حسام


اضيف في 26 مارس, 2008 01:15 م , من قبل ward sham
من لإمارات العربية المتحدة

مرحبا ..أعجبني العنوان وأعجبني الطرح
وقد لا يفي مثل هذا الموضوع الذي يتعلق بمرض مزمن ان نممر عليه هكذا عبورا ..

لك تحيتي




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.