واحة الأدب

مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//

حديث في الهواء

حديث في الهواء

http://www.husamdeen.jeeran.com//

http://www.husamdeen2.jeeran.com//

husamdeen@mail2syria.com

husamdeen@maktoob.com

محمد حسام الدين دويدري

 جوّال  095278048

     مرّت لحظات ثقيلة من الصمت؛ كنت خلالها أجيل طرفي بين جدران الغرفة المتواضعة متفحصاً ماعلّق في أركانها من لوحات، لكنّ ذلك الصمت - وقد طال- مالبث أن تبعثر إثر جلجلة صوت صاحب البيت إذ بدأت تتعالى بوتيرة بدا لي معها أنه في حالة غضب شديد شعرت معها أنني أقوم بزيارة في غير أوانها، جلست أفرك يداً بيد مستغيثاً بمخيلتي عساها تبدد ما أنا فيه من ضجر بمجموعة من الصور المحببة التي تخفف وطأة انتظاري لصاحبي الذي أقبل عليّ بعد دقائق بوجه محتقن وهو يرسل عبارات الترحيب والأسف والاعتذار. هممت بالوقوف والاستئذان بالرحيل؛ لكنه حلف وأغلظ الأيمان مؤكداً لي أنه كان ينتظر زيارتي بفارغ الصبر وأنه لاشيء يشغله عني. لم أستطع التمسّك بحبال الصبر أكثر من ذلك  فبادرته بالسؤال عن سبب صراخه وهيجانه معتذراً عن فضولي، نظر إليّ، زفر زفرةً طويلة، سحب "سيجارة" من علبة كانت تستلقي قليلاً على إحدى ركبتيه فأشعلها ثم قال متحسّراً: "والله أنا خجل منك؛ لكن هذا الولد أتعبني كثيراً؛ فكلما دخلت إلى البيت أجده يبعثر أشياءه هنا وهناك؛ فكل يوم أجده في زاوية من البيت يفترش الأرض ليعبث بما جمع أو اشترى من قطع إلكترونية  قديمة، تارة يقول: إنه يريد أن يصنع  منها جهاز بث FM ؛ وتارة جهاز إنذار أو دارة شحن للبطاريات، وغالباً ما يترك بضاعته منشورة على الأرض أو على إحدى الطاولات ليسارع إلى السوق ويعود بعد زمن بمخطط أو بقطعة جديدة، إنه يضيع مصروفه كله على هذا الشكل وأنت تعلم أنّ بيتنا صغير ولا يحتمل ذلك العبث الفارغ، إنني بتّ أذوب خجلاً حينما يدخل عليّ أحد الضيوف ويشاهد هذه المظاهر..."

     كنت أصغي إلى صاحبي باهتمام؛ في حين لم أكن أتمكن من كبت ابتساماتي التي أرسلت جذورها في أعماقي عنوةً  فيما كانت ذاكرتي تعود بي سريعاً عبر صور نابضةٍ خاطفةٍ إلى بدايات أيام الشباب ناشرة في ضلوعي أطياف مشاعر المتعة والارتياح التي كانت تغمرني كلما مارست هذه الهواية قبل أن يبعدني القدر عنها، قلت لصاخبي بعد أن وجدت علامات الاستغراب بادية على وجهه: هوّن غليك يا أخي ولا تتعجّب من اشتعال ابتساماتي؛ فقد حرّضت بي مواقد الذكريات وأعدتني إلى بدايات الشباب...، وإنني والله لأرثي لحال أبنائنا وأتألّم كثيراً كلما رأيت مجموعات منهم في الأزقة والحواري يكتسبون سوء الخلق وبتعلمون ما يسيء إلى مستقبلهم...، إنهم غالباً مايلعبون بالكرة في الشوارع والأحياء معرضين أنفسهم للأخطار وينشرون القلق والانزعاج في نفوس السكان الذين لايجدون خلاصاً لهم من حالات الضجيج التي يثيرها الفتية بصراخهم وعبثهم؛ فكم من زجاج تحطّم بقصدٍ أو بغير قصد؛ وكم من نزاع حصل بين الجيران فأفسد العلاقات التي كان من المفترض أن تكون علاقات محبة وتآلف، وهانحن وقد بدأت العطلة الصيفية مانزال منشغلين عن أبنائنا مع أننا مسؤولين عن تنظيم حياتهم وإرشادهم إلى الطريق المثلى لاستثمار طاقاتهم، صدقني ياأخي أنا أرى في ولدك نزوعاً نحو الإبداع فهو يستثمر وقته في المفيد بدلاً من أن يتسكع في الشوارع مع رفاق السوء وأنصحك بأن تخصص له ركناً في المنزل وكم كنت أتمنى لو أن الجهات المختصة بالشؤون الاجتماعية أنشأت مجموعة من النوادي المتنوعة لاحتواء اهتمامات وهوايات أبناء الوطن وتنمية إبداعاتهم واستثمار طاقاتهم وتنمية روح التفكير الإبداعي لديهم....، لأننا حينما نحرض فيهم التفكير نجعلهم يشعرون بوجودهم في الحياة وبأهمية استثمار هذا الوجود...

     كان الرجل يستمع إلى حديثي دون أن يقاطعني؛ لكنني شعرت بأنّ حديثي كان يتلاشى في الهواء؛ وبأنّ صاحبي لم يكن على استعداد للأخذ بنصائحي التي ربما تكلفه التخلي عن بعض راحته وعن جزء من أسلوبه في إدارة شؤون أسرته، وهكذا خرجت من بيته وقد استيقظ في نفسي شعور بالضيق والأسى إذ طالما شعرت بأننا نحن من يدفع هذه الأجيال الناشئة نحو العبث مادمنا نغوص في انشغالنا اللاهث أو تشاغلنا العابث عن احتوائهم وعن واجبنا الذي يحتّم علينا كآباء ضرورة التفكير الجدّي في إرشادهم إلى الطريق السليم وتنمية روح العمل والإبداع لديهم وأن لا ننسى أنّ لديهم رغبات وطاقات لابدّ من ترويضها لتصريفها في المسار الأمثل الذي يحقق حالة الرضا ويشعرهم بنمو كيانهم ويجعل منهم أفراداً نافعين في مجتمع يدرك كيف يبني مستقبله ومستقبل أجياله... *

الثلاثاء ‏، 05 حزيران‏، 2007

 



أضف تعليقا

suharosa
16 يونيو, 2007 09:41 م
ذكرتني بطفولتي..

لم أكن من الأطفال الذين يحبون الجلوس دون عمل شيء مفيد ( بالنسبة لي فقط) بالنسبة للجميع كل ما كنتُ أقوم به مجرد هراء.

أحببتُ العلوم والفيزياء والكيمياء والأحياء ,, معضم مشاكلي كانت في تطبيقي لمعظم العلوم التي كنتُ أتعلمها..

عقاب الوالدين أحياناً يقضي على طموح الطفل, والدليل أنني الآن أكره الفيزياء والكيمياء بسببهمْ..


استاذي الفاضل حسام

قصة جميلة وواقعية حَدَثتْ معي وها هي تحدث مع الكثير من الأطفال..

شكراً لروعتك دائماً

أسعدك الله


سهى العلي
husamdeen2 من سوريا
17 يونيو, 2007 10:39 ص
أختي الغالية سهى
يسعدني أنني أجدك بجانبي دائماًوأجد في همساتكِ أصداء لما يعتلج في أعماقي من شوق إلى الألق
حسام