أرصفة الألم
http://www.husamdeen.jeeran.com//
http://www.husamdeen2.jeeran.com//
husamdeen@mail2syria.com
محمد حسام الدين دويدري
أربعون عاماً مرّتْ على نكسة حزيران؛ ونحن العرب مانزال في مراوحتنا المترنِّحة على أرصفةِ الألم نحلم بالخلاص دون أن نتمكن من صهر أحلامنا في بوتقةٍ واحدة نعيد من خلالها إنجاز صياغة جديدةٍ واضحةٍ لمسار خطواتٍ عملية موحّدة تنقلنا إلى بساتين الأمل، فمنّا من حمل نكبته بين ضلوعه؛ فاتَّكأَ عليها وجعل يندبُ زمانه غارقاً في جَلْدِ ذاته تارة وتارة أخرى في الثورة على ما ابتلعت من شعارات وقيم لم يَعِ السبيل الصحيح إلى تطبيقها وتحويلها إلى بذار مبشّر ببراعم غدٍ يكون أكثر إشراقاً، ومنا مَنْ هربَ مُرتدّاً إلى الماضي المُحَنّط في جحور الذكريات محاولاً نخديرَ أوجاعه برشفات معتّقة في جِرار القصص المعطّرة بالألق...، ومنّا من قفز بعيداً في الهواء محاولاً التعلق بقطع من حبال واهية حملتها رياح العولمة المتواترة على أنغام الجاز ورعشات الراقصين أمام العدسات السحرية...، ومنّا من انتفض صارخاً يعلن الثورة على كلّ هذا وذاك محاولاً الدفاع عن قيمه ومبادئه التي تربى عليها ساعياً إلى إيقاظ العيون وتحريض العقول الذاهلة...
لم يكن الخامس من حزيران نقطة بداية أوجاعنا؛ ولا حتى نكبتنا بفلسطين كانت كذلك، كما لم يكن احتلال العراق والاعتداء على حضارته العريقة آخرها...، بل لم نكن نحن الأمّة الوحيدة في هذا العالم التي مُنِيَتْ بالنكبات والهزائم، فكم من شعبٍ أنهكته المآسي والنكبات فجعل منها حافزاً للنهوض وللثورة على الواقع وصناعة مستقبل أفضل...، ولهذا فإنّ علينا أن نعي أننا أمّة أدمن الألم حياضَها منذ تفلَّتَتْ أيدي أبنائها من حبال التوحُّد وتاهت في مزالق التشرذم والانقسام، وحينما يستقرّ ذلك في وعينا لن يتحوّلَ الحاضر في عيوننا إلى زمن مثقلٍ بالخزي والهزيمة ومشاعر القهر أو العجز والإحباط؛ وعندها لن نقف مكتوفي الأيدي مكبّلين بأسمال الأمر الواقع تاركين لغيرنا فُرَصَ العبث بمصيرنا؛ بل سنعتبر وقفتنا على أرصفة الألم بمثابة مراجعة نقديّة دارسة لما مضى لتكون بعدها الخطوة الجريئة نحو تشابك الأيدي وتوحيد الصفوف ليس فقط في مواجهة العدو المشترك المتربص بنا جميعاً؛ بل للخلاص من حالة المراوحة في المكان التي لازمتنا طويلاً وآن الأوان كي نخرج منها نحو حقول العمل المنتج مثبنين لأنفسنا أولاً وللعالم ثانياً بأننا جديرون بصناعة مصيرنا المشترك وأننا قادرون على مشاركة الآخرين في صنع الحضارة؛ بل في إكسابها الألق الطاهر وتخليصها من النزعة اللاإنسانية التي وصمتها بها القوى الباغية...
ليس عيباً ولا محظوراً أن نقف قليلاً على ضفاف الألم، لكنّ وقفتنا هذه يجب أن تكون وقفة المتفحص المحلّل لمظاهر ذلك الألم؛ المستكشف لأسبابه، فمظاهر التفكك تبدأ من تأثير مفرزات "ثقافة الأنا" التي راحت تتفشى بين الأفراد أولاً مسببة آلام الفساد والتكسب والرشوة والاختلاس والإثراء غير المشروع على حساب الوطن...؛ لتنتقل تلك الثقافة المسمومة بعد ذلك مرتقية إلى مستوى الكيانات السياسية المصطنعة التي راحت تتراخى شيئاً فشيئاً في التمسك بالمبادئ رافعة شعارات المصلحة القطرية فوق مصلحة الأمة وما يجمعها من روابط مقدّسة؛ معلنة الاستسلام للألم دون وخز ولا ندم؛ مؤكّدةً الهروب من مواجهة الحقيقة والاتكاء على القادم المجهول؛ وكأنها ماتزال في حالة تقمص لشخصية امرئ القيس حينما قال متواكلاً: "اليوم خمر وغداً أمر"...
لنقف قليلاً على أرصقة شواطئ الألم؛ ولكن على أن تكون وقفتنا باتجاه الشروق فلا نضع الشمس خلف ظهورنا؛ بل نقف وقفة الآمِلِ المتأمِّل؛ مُجِيلِينَ الطرف الثاقب المستشرف للآتي؛ مؤكدين حرصنا القوي على التمسك بالوعي الكامل والحرص على تحمّل المسؤولية بجرأة وشجاعة؛ واثقين بقدراتنا وإمكاناتنا؛ مؤمنين بأنّ النصر ليس مستحيلاً وأنّ النهوض ليس بالأمر العسير، متذكرين ماحققته ثقافة الوحدة والتتضامن من انتصار لإرادتنا عام ثلاثة وسبعين؛ تلك الثقافة التي تمسكت بها سورية لتثبت لكلّ العرب أنّ التمسك بالمبادئ والثوابت هو طريق الانتصار...، تلك الثقافة التي لو استمرّت على ماكانت عليه منذ انتصار تشرين لصنعت الكثير من الانتصارات على كلّ الصعد ولتمكنا من تأكيد وجودنا كأمة لها دورها المشرق والمشرّف في صنع الحضارة الإنسانية...*
تأكيد وجودنا كأمة لها دورعا في صنع الحضارة الإنسانية...*
الثلاثاء ، 05 حزيران، 2007











12 يونيو, 2007 03:06 م