http://www.husamdeen2.jeeran.com// كثيراً ما نجد أنفسنا أسيرة لحظاتٍ من الزمن نقف فيها مبهورين أمام جهاز جديد قفزت أسرابه إلى الوجود متفاخرةًً بأدائها الخارق وبتقنياتها العالية التي تضيف إلى الطاقة البشرية أبعاداً لم يكن يحلم كثيرٌ من بني البشر فيما مضى بالوصول إليها، وربما استطاعت تلك التقانات المتوالدة أن تزيد من قدرة الإنسان على الإنتاج لتغطّي الكثير من الاحتياجات البشرية في سعي نحو إيجاد شيءٍ من التوازن المتزامن مع التزايد المتصاعد لعدد السكان والازدياد المحموم لسعير النزعة المادية، لكنها باتت تطرح الكثير من التساؤلات حول مدى ماأحدثه هذا التطور في مجتمعنا من تغيرات واسعة الأطياف كان من المفترض أن تكون إيجابية سواء على الصعيد الاجتماعي أم على الصعيد المعرفي والتثقيفي أم على الصعيد الاقتصادي باعتبار أنه يوسع آفاق التواصل المستمر...؛ وما مدى تأثير هذه التكنولوجيا المتنامية في الذوق الفني والوعي الجمالي وبالتالي امكنها من الإسهام الفاعل في خلق وتكوين الطبيعة الحضارية السامية أو المتسامية لإنساننا المعاصر... هذا بالضبط ما تبادر إلى ذهني وأنا أراقب بفضول مجموعة من الشبان وقد اجتمعوا في أحد أركان الحرم الجامعي يتبادلون عبر تقنية "البلوتوث" بين أجهزة هواتفهم النفالة مجموعة من الملفات المتنوعة مابين أنغام وصور ومشاهد متحركة في هرج ومرج كان كثيراً ما يتعالى مع ضحكاتهم الجريئة المتصاعدة في الهواء... حينما كنت أراقب ذلك المشهد لم تغب عن بصيرتي أطياف تصورات اختزنتها عن معرفتي بالمراحل الطويلة التي مرّ بها التطور التكنولوجي حتى وصل الأمر بالإنسان إلى ماهو عليه الآن، فلاشكّ في أنه قد اجتهد وأعمل عقله بمهارة وإخلاص لإنتاج التكنولوجيا و ترويضها كي تكون في خدمته وتلبي حاجاته، لكنه وجد أنّ هذا الجهد يجب أن لا يقف عند حدّ؛ لأنّ منطق التنامي والتطور غدا شديد التسارع؛ مما أدى إلى حدوث عملية فرز حقيقي بين بني البشر غدا معها قسم من الناس منتجين مروضين للتكنولوجيا يبذلون كل ما يستطيعون للتنافس في سباق الابتكار واكتشاف ما هو جديد لتحقيق ربح أكبر وجذب عدد أكثر من المستهلكين...، في حين تحول كثير من البشر إلى مستهلكين شرهين لتلك التكنولوجيا خاضعين لترويضها ولسطوة سحرها الآسر دون التفكير في غلبتها وتطويعها... ربما تجد كثيراً ممن يتسابقون إلى اقتناء أحدث ماوصل إليه سباق الابتكار من أجهزة الهواتف النقالة "الخليوي" يستعينون بطاقاتها على تيسير أدائهم واختصار الزمان والمكان، لكنها غدت لدى كثيرين أيضاً لاتعني أكثر من التسلية والمرح بل ومصدراً لترميد الزمن إضافة إلى الاستعمالات السيئة التي قد تؤدي إلى إقلاق راحة الآخرين وإزعاجهم أو الاعتداء على خصوصيتنهم... وربما بدأنا نجد أنفسنا اليوم أمام طراز جديد من الفن الافتراضي المختزل يتم فيه اجتزاء وتركيب مقاطع صوتية أو مشاهد مفبركة بهدف النقد أو الترفيه أو الإضحاك بشكلٍ تحولت معه أجهزة الهواتف النقالة أيضاً إلى وسيلة للمرح واللعب والترويح عن النفس؛ لكنها باتت اليوم أيضاً لدى آخرين تؤدي خدمات هام لم يعد بإمكانهم الاستغناء عنها، فهي التقويم والمنبّه الذكي ودفتر الملاحظات السريعة والآلة الحاسبة بل وربما الكمبيوتر المحمول الذي يتصل بعوالم الإنترنت وكل ذلك بالإضافة إلى كونه أداة التواصل المهتزلة للزمان والمكان والتي تمكن من تبادل المعلومات والمعطيات والآراء وعقد الصفقات بل وربما تحول إلى وسيلة إعلامية تمكن من مشاهدة مالا تراه العيون عبر المسافات... ويبقى السؤال المتقافز أمامنا نحن يحدّق بنا بجرأة: هل نحن ممن استطاعوا ترويض التكنولوجيا ...؟؛ أم ممن روضتهم وأسرتهم لتحولهم إلى مجرد مستهلكين لماتنتجه عقول الآخرين...، وكيف السبيل إلى الخروج من واقع التبعية والانبهار إلى حالة الإصرار على السير المبصر في ضوء النهار...؟* الاثنين، 28 أيار، 2007 husamdeen@mail2syria.com
محمد حسام الدين دويدري
.
.
الاحد, 03 يونيو, 2007
ترويض التكنولوجيا أم تكنولوجيا الترويض...؟
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








