برسم الجهات المختصّة
http://www.husamdeen.jeeran.com//
http://www.husamdeen2.jeeran.com//
husamdeen@mail2syria.com
محمد حسام الدين دويدري
لطالما كنت أفضّل دائماً أن أُحسِنَ الظنّ بالناس مستعيناً بما ادّخرته لوجودي من قيم ومثل مازلت أؤمن بها وأعيش عليها، لكنني لم أكن أتصور في يوم من الأيام أنّ حُسنَ الظنّ هذا سيتحوّل في لحظةٍ غفل فيها الرقباء أو تقاعسوا إلى ثغرة ينفذ منها النصابون وخونة أسمى القيم؛ لأكون واحداً ممن يتعرضون إلى النصب وهم في عقر دورهم آمنون مطمئنون. كان هذا حينما اضطررت إلى استبدال جرة الغاز الخاصة بمنزلي من أحد الباعة الجوالين؛ وكان هذا أمراً بسيطاً معتاداً في حياتنا اليومية...، لحظتها حمدت الله أن يسّر لي أمر استبدالها في الوقت المناسب؛ وعلى الفور قمت بتركيبها ووضعها قيد الاستعمال، وإن هي إلا ساعة أو تزيد حتى هرعت على صوت زوجتي تعلمني بأنّ النار قد انطفأت وا، الغاز قد نفد منها، ولشدّما كانت دهشتي شديدة حينما رفعتها من مكانها ووجدتها ماتزال ثقيلة الوزن، قلت في نفسي: "ربما يلجأ بعض الباعة إلى سحب كميات منها؛ ولكنها مادامت ثقيلة الوزن فلابدّ أنّ شيئاً ما قد سدّ فوهتها فأعاق انسياب الغاز منها"، وعلى الفور قمت بفكها مجدداً من مكانها وبتفحّصها لأفاجأ بأنّ مصدر وزنها ليس سوى حشر كمية كبيرة من الماء في جوفها، أما المفاجأة الكبرى فكانت حينما استدعيت أحد موزعي الغاز لاستبدالها إذ أعلمني أنّ تلك الجرّة لايمكن استبدالها لأنّها مهرّبة وغير نظامية وأنّ مصدرها هو العراق. ثم إنّ الرجل زفر زفرة طويلة حارّة نظر على إثرها في وجهي قائلاً: "صحيح صدق من قال: أولاد الحرام ما تركوا لأولاد الحلال شي..."، ثم إنه أخذ يسرد لي القصص والأمثلة على تكرار مثل هذه الحادثة منذ أكثر من سنة ونبهني إلى ضرورة التحقق من شكل الجرّة وكيفية التمييز بالنظر إلى صنبورها ذي الشكل المختلف؛ مع أنّ مثل هذه الأوصاف الدقيقة لا يمكن أن تلفت انتباه من هم ليسوا من ذوي الصنعة والمتخصصين في تعبئة وتوزيع الغاز المنزلي...
حمدت ربي على الصحة وسلامة الحال والعيال وجعلت الله حسبي ووكيلي؛ لكنني مع ذلك لم أنسَ أنّ مثل هذه الحادثة تشكل ظاهرة سلبية خطيرة ومؤشراً يطرح الكثير من التساؤلات التي لايمكن تجاهلها أو التعامي عنها: كيف وصلت هذه المهرّبات الثقيلة إلى هذه المواقع من تراب الوطن...؟، كيف ومن أين تسللت...؟، وكيف وصلت إلى أيدي أمثال هذا اللص المتجول ..؟، بل كيف استطاع التجوّل السافر بها علناً في وضح النهار...؟، هل وصل الانهيار الأخلاقي والقيمي لدى البعض إلى حدٍّ عشّشت فيه الجريمة في عقولهم فحرضت النزوع العدواني نحو ابتكار أساليب متعددة للكسب الحرام على حساب الوطن وأهله...؟، أليس في هذا الأمر خيانة فاضحة للوطن وتآمر على ترابه وكلّ من عليه...؟.
ومادمنا لا نؤمن بنظريات العدوان الفطري وفكرة "المجرم بالولادة" التي وضعها العالم الإيطالي "لومبروزو" فلابدّ من أن نعتبر انتشار أمثال هذه النماذج الشاذة من البشر بكثرة مؤشراً على وجود خلل تثقيفي حاق بالقيم والمثل فأبقى كثيرين على بدائيتهم رغم تغلغلهم في مفاصل المجتمع، فهم لايستوعبون معها قيم وقوانين ونطم الحياة في مجتمعهم مما يفسح للأنا الشرسة المتوحشة الكامنة في نفوسهم سبل التضخم والغلبة لينساقوا وراء غرائزهم الهائجة غير آبهين بما تحدثه تصرفاتهم الهوجاء من ظلم وفساد...
لست أخفي أنني من يومها وأنا أترصّد عودة ذلك اللص المتجول إلى الحي ليعيد الكرّة مع جيراني الذين نبهتهم إلى الأمر ساعياً معهم إلى الإمساك به وإبلاغ السلطات المختصة عنه، لكنني ومع أنني أضع هذه الحادثة برسم الجهات المختصّة؛ مازلت أدرك بأنّ ذلك لن يكون الحلّ الجذري للمشكلة، فعقابه لن يكون كافياً ولارادعاً له ولغيره تماماً ولعلّ العقاب لن يطال اللصوص المجهولين الأكبر حجماً والأكثر خطورة ووحشية وجشعا؛ًُ الذين هم أوصلوا هذه المادة إلى يديه...، فمازلت على قناعة تامة بأنّ الحلّ الجذري الأنجع يكمن في إعادة صياغة المجتمع بأكمله على أساس القيم العليا والمثل الراقية والأخلاق الحضارية التي تغرس الحب وتحرض على الإيثار فتنمي الحس الجماعي الذي يزيد الأمة قوّة ويحصّنها ويصدّ عن أبنائها غائلة العدوان وآفة التنكر والنكران...*
الثلاثاء، 08 أيار، 2007









14 مايو, 2007 03:29 م