واحة الأدب
مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//
.
.

على طريق الألف ميل

على طريق الألف ميل

http://www.husamdeen.jeeran.com//

http://www.husamdeen. com/

husamdeen@mail2syria.com

husamdeen@maktoob.com

محمد حسام الدين دويدري

 جوّال  095278048

لم أكن يوماً من الطامحين إلى امتلاك سيارة، ولم أحلم قط  بالتدرّب على قيادتها، لكنني مع ذلك وجدت في نفسي منذ أيام رغبةً شديدةً بدخول أحد مكاتب السيارات وقد لفت انتباهي حشدٌ من الناس حول إحدى السيارات المعروضة في حيّز الصدارة منه. اقتربت مستطلعاً الأمر فإذا بي أمام إحدى سيارات "شام" التي نأمل أن تكون البوابة العريضة لدخول القطر العربي السوري عوالم الصناعات الثقيلة والمتقدمة وتطوير إنتاجها وفقاً لابتكارات عربية نشعر معها أننا بدأنا نرتق الفجوة الهائلة التي تفصلنا عن ما يدعى بالدول المتقدمة. مرّت لحظات متخمة بالأحلام كنت أشعر معها بشيء من الفرح، وكان حلم امتلاكي لسيارة بالفعل واحداً منها؛ مع أنني لم أنس ولو للحظة مايعنيه تحقيق هذا الحلم من أعباء ومصاريف تتنافى وواقع ذي الدخل المحدود؛ سواء من حيث قيمتها ومصاريفها المعروفة؛ أم من حيث الضرائب والرسوم السنوية...، وثمة هاجس في أعماقي كان يهتف بي سائلاً: هل مازالت السيارة في هذا الزمان كما يعدّها البعض من الكماليات والرفاهيات الزائدة مع اتساع المسافات وضرورات طبيعة الحياة التي باتت تفرض على الإنسان سرعة التحرك...؟!، ولماذا ترتفع أسعار السيارات بشكل لافت عن مستواها في بقية البلدان، وهل يمكن اعتبار السعر الذي حُدِّدَ لسيارة "شام" سعراً منافساً أو مقبولاً رغم أنه ينخفض عن أسعار مثيلاتها في المواصفات...؟، وهل يمكن أن نصل إلى مرحلة نتمكن فيها من تصنيع معظم ما نحتاج بمواد محلية وأيدي وطنية بشكل يحقق لنا النمو الاقتصادي والاجتماعي...

     غادرت ذلك المكان حاملاً سلال أحلامي فارغة، لكنّ تلك الهواجس المتسائلة ماتزال تصطخب في ذهني منذ ذلك الحين محرّضة الرغبة في استكشاف تضاريس الواقع واستشراف ملامح الطريق، قد نكون بدأنا الخطوة الأولى في مسيرة توطين صناعات ثقيلة ومتقدمة توفر علينا بعض القطع النادر وتزيد من فرص العمل أمام الأيدي المتلهفة، لكنَّ هذا لايعني أننا قد بدأنا مرحلة خوض غمار التحدي التكنولوجي بعد؛ مادامت العملية لا تعدو أن تكون تجميعاً لأجزاء مصنّعة خارج التراب الوطني؛ وربما يكون من السهل علينا أيضا إفساح المجال للشركات العابرة للقوميات كي تقيم لها على أراضي وطننا الحبيب مصانعاً متطورة مستفيدة من الموارد البشرية و الأيدي العاملة الساعية على ترابه ومن حركة رأس المال في أسواقه؛ لكن ذلك لن يعني أيضاً أننا بدأنا مرحلة التصنيع الفعلي وبدأنا نتحرر من إسار التبعية التكنولوجية، فكيف السبيل إذاً إلى ذلك التحرر...؟؛ وهل بإمكاننا فعلاً أن نصل إلى مرحلة نتمكن فيها من إنتاج التكنولوجيا وليس مجرد توطينها...؟. ليس ثمة شك في أنّ ذلك ليس بالأمر المستحيل؛ خاصة مع إيماننا بقدراتنا وإدراكنا بأنّ كثيراً من الابتكارات المتطورة التي تصلنا عبر الحدود هي ثمرة إبداع ونتاج عقول أبنائنا المهاجرين إلى بلاد الاغتراب الذين كان من الممكن لهم أن يبدعوا في أحضان وطنهم فيما لو تمّ توفير البيئة المناسبة لتنمية واستثمار إبداعاتهم. لاشكّ أننا منذ زمن بعيد نعمل جاهدين على توطين العلم فيما بيننا، لكنّ هذا العلم يجب أن يتحول إلى سلوك ومنهج نشاط اجتماعي هادف إلى الابتكار المتجدد والبراعة في اختراع وإيجاد مايضيف إلى الإنسان طاقات أكبر لا أن يتحول العلم في بعض الأذهان إلى مجرد مرحلة من العمر يكتسب من خلالها شهادة ينال بها مرتبة اجتماعية أو امتيازاً يترفع به عن أقرانه. وربما يبدو لي أن هذا هو بيت القصيد، لأننا لايمكن أن نخرج من أسر التبعية التكنولوجية مالم نتحوّل من مرحلة توطين العلم وتمثّله إلى مرحلة إنتاجه والبحث في تطويره؛ بعد نشر ما يكفي من الوعي بأهمية البحث العلمي وبجدواه في تطوير الحياة الاجتماعية والاقتصادية واستقطاب وتحريض الكفاءات العلمية لخوض غمار البحث العلمي في حاجات ومستجدات وشؤون المجتمع وتقديم المتطلبات اللازمة لأداء ذلك البحث والمعونات التي تدعمه...ـ وهذا بالطبع لا يمكن أن يكون مالم يتم تصميم البرامج المدروسة وتوفير الموازنات الكافية المخصصة لذلك وتشجيع رؤوس الأموال للاستثمار في هذا المجال، ولعلّ من اللافت للانتباه أنّ العاملين في مجالات البحث العلمي على وعي كامل بهذه الحقائق حيث سبق وأن نبّه المشاركون في "المؤتمر الرابع للبحث العلمي والتطور التكنولوجي" - الذي استضافته "دمشق"منذ مدة - إلى أنّ إنفاق الدول العربية على البحث العلمي لايتجاوز 0.30% من دخولها وأنّ البحث العلمي في الجامعات العربية موجه نحو "الترقية" وليس موجهاً نحو "التنمية"، ومع ذلك فإنّ هذا الوعي القديم المتجدد لم يترافق بخطوة عملية تنقل البحث العلمي إلى الاتجاه الصحيح الذي يحقق توظيفه في مسارات التنمية...!.

     لاشك في أنّ السعي إلى دخول معترك التحدي التكنولوجي ولو على صعيد التجميع وتوطين الصناعات المتطورة أمر على غاية الأهمية باعتباره خطوة أولى في مسيرة الألف ميل، لكنّ هذه الخطوة تحتاج منا جميعاً إلى الدعم والتفكير الجدّي الجريء في مايجب أنْ يليها من خطوات يجب أن لا نتأخر في مباشرتها؛ سواء كنا مستهلكين أم اقتصاديين أم صناعيين منتجين أم باحثين في حقول العلم والمعرفة، لأنّ المستقبل يبنى بأيدينا معاً...*

*‏الثلاثاء‏، 09‏ نيسان‏، 2007

 

 

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.