واحة الأدب
مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//
.
.

مأزق الديمقراطية

مأزق الديمقراطية

  http://www.husamdeen.jeeran.com//

http://www.husamdeen. com/

husamdeen@mail2syria.com

husamdeen@maktoob.com

محمد حسام الدين دويدري

 جوّال  095278048

لَمْ تَكُنْ تلك المَشَاهد المثيرة التي عرضها وزير الإعلام الفلسطيني مؤخراً جديدةً ولا فريدةً، فمشهد الكلب المسعور الذي أطلقه جنود الاحتلال الصهيوني على أحد الحواجز وهو ينهش يد سيدةٍ فلسطينية هو واحد من فصول كثيرة متجدِّدة كان منها ماشَهِدناه في الماضي من إِقدام جنود الاحتلال أيضاً على كسر عظم أحد الشبان الفلسطينيين بعد أن ألقوه أرضاً و"سحلوه" وركلوه بأقدامهم...، وكان منها أيضاً قتلُ الطفل "محمد الدرّة" وغيره من الأطفال بدمٍ بارد، كما كان منها ما شاهد العالم بأسْرِه بعضَ فصوله مع احتلال العراق وفضائح "أبو غريب" وحَكايا "غوانتانامو"؛ بَلْ وكلّ ما يجري مما وصَلَنا علمُه أو لَمْ يَصِلْنَا بعد من أخبارٍ هي حلقات من سلسلة في حملة "الفوضى الخلاقة" التي ماتزال قِوى البغي تجتهد في إطلاقها على كلّ الصُعُد العسكرية والإعلامية تحت شعار "تصدير الديمقراطية"؛ ولكن على الطريقة الصهيوأمريكية؛ ساعيةً إلى خلق واقعٍ  قهريٍ يَبتُرُ إحساسََنا بالارتباط بجذورنا الحضارية ويُعَطّلُ تواصلنا وتفاعلَنا مع إرثِنا الثقافي؛ ليفرِضَ نوعاً من العطالةِ التي تَفصُِلنا حتى عن واقعنا وتجعل كثيراً منا في حالة لامبالاة أورهائن تجاذباتٍ مشبوهةٍ متناثرةٍ  مما يدعم تُحَقّيق المخطط المرسوم لإعادة تغيير الملامح التقسيمية "الجيوسياسية" لمنطقتنا المجزأة...

     على أنّ هذا الصنف المصدّر إلينا عبر الأجواء والبحار من "الديمقراطية الأمريكية" يختلف كلياً عن الصنف المستوطن في أرض المنشأ، فهو يطرح في الظاهر شعار تحقيق الحريات الفردية؛ لكنه يهدف في النتيجة إلى سلب الحرية الجماعية المتمثلة في استقلال الوطن وسيادة الأمة على ترابها وما يزخر به هذا التراب من ثروات؛ ولكنّ هذا السلب وإن أمكن استشعار الرابط بينه وبين المنهج الاستعماري الذي كان متبّعاً في القرن الماضي؛ إلا أنه يختلف كثيراً عن منهج ذلك الاستعمار القديم، إذ يعمل على توجيه حملاته بشكل اجتياحي ضاغط في كل المستويات المادية والمعنوية مستفيداً من كلّ إفرازات  ثورة الاتصالات؛ مبتدئاً بالغزو الفكري الذي بات يفرض حصاره على ما تبقى من حركات وطنية ممانِعة بهدف تشويهها وتقطيع أواصر صلاتها بجماهيرها وبالتالي إسقاطها؛ مستفيداً من فشل الحكومات المتعاقبة  في تحقيق البرامج والشعارات المرفوعة وما نجم عن ذلك الفشل من أزمات متلاحقة كرست اليأس والقنوط ومشاعر العجز والإحباط فأفسحت المجال للانعزاليين ودعاة التنكر للجذور ومروّجي التبعية ودعاة الحياة المادية الذين يعلون القيمة المادية فوق كل القيم والمعايير...، وفي ظلّ هذا الواقع بدت الديمقراطية العربية في مأزق حقيقي؛ حيث يجد الناخب العربي نفسه محاطاً بحزم من المؤثرات أمام مجموعة من البرامج المخادعة التي تحاول التيارات السياسية تزيينها بألوان من الشعارات المستحدثة؛ هذا بالإضافة إلى ما قد يحمله هذا الناخب من مؤثرات شخصية داخلية يختلف تأثيرها في قراره واختياره بقدر ما يختزن في نفسه وفكره من ثقافة ديمقراطية صحيحة تتيح له التمييز بين الأكفأ والأصلح وبين الاختيار تحت تأثير الدوافع الشخصية كالقرابة والمحسوبية والانتماءات الهامشية...، وهنا ربما نجد أنفسنا أمام تساؤل ملحّ علينا التفكير في الإجابة عليه بصراحة وجرأة: هل يمكن أن نجد الحلول السحرية لمعاناتنا وما يجتاح واقعنا عبر صناديق الاقتراع وحدها...؟، وهل يمكن لهذه الصناديق أن تُدخِلَ إلى مخابر صنع القرار نُخَبَاً جديدة قادرة على تحويل الزمن القادم إلى ورشات عمل تجتهد فعلاً في طريق بناء مستقبل أفضل...؟!.

     لا شكّ في أنّ صناديق الاقتراع لا يمكن أن تحقق ذلك مالم تكن في بيئة زاخرة بالثقافة الديمقراطية الوطنية التي نبتت في أرضها متوائمة مع ثقافتنا الحضارية الحقيقية المشحونة بالأخلاق والقيم والتي تستطيع التمييز بين مختلف البرامج المطروحة وتمتلك القدرة على الصمود أمام تيارات الأوهام المفضوحة التي تحمل في يافطاتها ألوان القنوط والاستسلام والتنكر للماضي وللجذور والتشكيك بالبرامج الوطنية التي قدمت قوافل الشهداء أرواحها في سبيل تحقيقها...

     ربما هو تساؤل في سيل زخات من الأسئلة والأمنيات أثارتها في خاطري المظاهر الدعائية التي بتنا نشهدها مؤخراً في كلّ مكان مع اقتراب اللحظات الحاسمة لانتخابات مجلس الشعب والإدارة المحلية؛ حيث بدأت الحملات الانتخابية للمرشحين تستثير في نفوس المواطنين الرغبة في اختيار ممثليهم من بين جموع المرشحين الذين أعدّ كلّ منهم حقيبةً نضّد فيها أوراق برامجه ووعوده وزمر آماله وطموحاته فغلّفها بما أعدّ من اليافطات الدعائية...، ولعلكم تشاطرونني الأمل في تمكن كلّ منا من سبر المحتويات الحقيقية لتلك الحقائب لتحقيق التوصل إلى اختياره بوعي و حرية ومسؤولية...*

‏الاثنين‏، 26‏ آذار‏، 2007

 

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.