واحة الأدب

مدونة الشاعر العربي السوري محمد حسام الدين دويدري. تهتم المدونة بالفنون الأدبية وخاصة الشعر تصفّح المزيد على الرابط http://www.husamdeen.jeeran.com//

القراءة طريقنا إلى المستقبل

القراءة طريقنا إلى المستقبل

  http://www.husamdeen.jeeran.com//

http://www.husamdeen. com/

husamdeen@mail2syria.com

husamdeen@maktoob.com

محمد حسام الدين دويدري

 جوّال  095278048

     كَمْ كانت سعادتي كبيرةً غامرةً حينما لَمَسْتُ مؤخراً مدى التغيير الواضح الذي طرأَ بشكلٍ إيجابيٍ على أسلوب طباعة وإخراج صحيفتنا الغرّاء "الجماهير"، ولاشكَّ في أنّ قُرّاءَها يُشاطرونني ما أشعر به متمنين لها المزيدَ من التقدّم في الشكل والمضمون، ولستُ أَكتُمُكُم فإنّ فرحتي بذلك التغيير لم تَكُنْ فقط لأنّ طباعتَها غدت أكثر جمالاً وأشدّ وضوحاً؛ بل لأنني أدرك ماللشكل من تأثيرٍ في جذب القارئ وحفز رغبة القراءة لديه؛ خاصة في مثل هذا العصر الذي بات يَشهد عزوفاً خَطيراً عن القراءة تحت تأثير ضغوط كثيرة بات كثيرٌ منّا مستسلماً لها غيرَ قادرٍ على عنادها، فلو أننا سَلَّطنا الضوءَ على روتين حياتنا اليومية المفروضة علينا لوجدناها مشحونةً باللُهاث والصَخَب، فمعظمنا يخرج إلى عمله الصباحي في السابعة ليعودَ إلى منزله في الرابعة مساءً فيتناول طعام الغذاء ويأخذ قسطاً قليلاً جداً من الراحة إن أمكنه ذلك ليغادرَ بعد ساعة أو ساعة ونصف إلى عملٍ مسائي آخر يعينه في تأمين قوتِ عياله وسدّ حاجاتهم اليومية المتكاثرة، حتى إذا عاد بعد العاشرة ليلاً وجد نفسَه المتهالكةَ في مواجهة جهاز التلفزيون وما يقذفه من صخب وهموم وأخبار تثير الأعصاب بالمزيد من الهموم والأحزان...

     لاشكّ في أنّ هذا الواقع بات يُشَكّل هوَّةً كبيرةً تفصل كثيراً منَا عن مقتضيات العصر الذي نصفه اليوم بعصر المعلومات والثورة المعرفية، هذا العصر الذي مازال يُنبِتُ في كلّ ثانيةٍ جديدةٍ ماهو جديد من مكتشفات ومبتكرات وأفكار، حتى أنّ الفرد إذا أراد أن يشعر بوجوده وبإنسانيته لايمكن أن يبقى معزولاً عن تتبُّعِ ما يجري حوله وذلك عبر كلّ ماهو متاح بين يديه من وسائل التواصل، إذ لم تَعُدْ الأمّية تعني فقط جهل القراءة والكتابة...

     إنّ هذا الواقع بات اليوم ينذر بشبح حالة مزمنة من العجز أمام التحديات العلمية التي باتت تكبر يوماً بعد يوم مع الاتِّساع المتزايد للهوّة الفاصلة بين الانفجار المعرفي وبين أجيالنا التي تخولت القراءة لدى معظمهم إلى مجرّد وسيلة للحصول على "الشهادة" التي تفتح لهم أبواب العمل والوظائف والمراتب العامة أو تحقق لهم الدخل الذي يحلمون به، ولهذا فإنّ مطالعاتهم في معظمها بقيت قاصرةً على الكتاب التدريسي الذي لاتستمر صُحبتُهُ سوى لفترة وجيزة تنتهي مع تقديم الامتحان والحصول على الدرجة المؤهلة للنجاح، وهكذا نجد أنّ هذا التصاعد الذي كان متنامياً للمنحنى البياني المعرفي لدى الفرد مايلبث أن يتعرض بعد تخرّجه إلى نقطة انعطاف ترتدّ وتتقهقر به نحو الجهة السالبة؛ لتبدأ فترةٌ من القطيعة بينه وبين الكتاب، مع أنّ المتغيرات المتسارعة في هذا العصر كانت تفترض أن يتمسّك كلٌّ منّا بمنهج التعليم المستمرّ الذي وجدناه هو السبيل الذي ينقل الآخرين إلى عالم المستقبل الواعد وما يحمل من اكتشافات متوالدة...

     وربما زاد من حِدّة هذه الأزمة مابتنا نلمسه من قصور في فهمنا لمصطلح الثقافة؛ حيث بات يعني لدى كثير منا قدرة المرء على الجدل والحوار مسلّحاً بما تختزنه ذاكرته من مصطلحات نظرية مستوردة التقطها من هنا وهناك؛ وربما بعيداً عن أيّ منهج عمليٍّ تطبيقي؛ مع أنّ الثقافة في حقيقتها المعاصرة هي القدرة المستمرّة على ممارسة النشاط الفكري والفني الإنساني بمهارةٍ متقنة ومتطورة تجيد فهم لغة العصر واستخدام وسائله الفردية منها والجماعية، ومع أنّ أوعية المعرفة باتت اليوم عديدة يتزعمها سلطان وسائل البث المباشر كالتلفزيون والإذاعة والإنترنت؛ إلا أنّ موثوقية الكتاب الورقي تبقى هي الأعلى، ولهذا فإنّ القراءة تبقى هي المورد الأساسي للمعرفة، ومن هذا المنطلق فإنّ الواقع الذي تعيشه القراءة اليوم لابدّ أنْ يثيرَ فينا الكثيرَ من القلق؛ خاصة إذا ما اطّلعنا على الأرقام الإحصائية التي تشير إلى أنّ حجم الإقبال على شراء الكتب شديد التدنّي إلى درجة لا تشجِّع الكتَّابَ على التأليف والنشر، ويكفي أن نعلم أنّ أي مؤلف أو ناشر يفكر بالنشر فإنّ تعداد النسخ التي يفكر في طباعتها سيكون في حدود الألف نسخة فقط لأنه سوف يخشى أن يعلوها الغبار على رفوف المكتبات قبل أن تُباع، وكم زاد استغرابي حينما قرأت في أحد التقارير الإحصائية أنّ عددَ الكتب التي يترجمها العرب مجتمعين سنوياً لا يتجاوز "330" كتاباً وهذا الرقم بحسب ذات التقرير يشكّل خُمْسَ ما تترجمه دولة أجنبية واحدة هي اليونان...

     على أنني لستُ متشائماً في هذا الأمر؛ فمازالت الفُرَصُ أمامنا واسعة للعودة إلى القراءة وصحبة الكتاب؛ لكنّ نقطة البداية لابدّ أن تكون واضحة المعالم أمام أبنائنا أطفال اليوم ورجال المستقبل. فهل ستلتفت الجهات المعنية ذات الصلة بالتربية والثقافة والإعلام إلى هذا الأمر...؟، بل هل ستتمكن أُسَرُنا من إعادة النظر في مخططها اليومي لتعطي القراءة فسحة من الوقت ونربي ـبناءَها على حُبّ القراءة....؟، لاشكّ أنّ ذلك أمرٌ قابلٌ للتحقيق فيما لو أردنا ذلك...!*

 

‏الاثنين‏، 19‏ آذار‏، 2007

 

 

ف6



أضف تعليقا